تمهيد:
يقول لي أحد معارفي لماذا تضع الخاتم في يدك اليسار وأنت لم تتزوج بعد، هذا لا يجوز، فضحكت بأعلى صوتي، وقلت له: ومن قال لا يجوز؟ هل تعرف أن المحبس ليس من الإسلام وإنما هو عادة ورثها أهل الشام بسبب خلطتهم بالنصارى، فقال لي من قال لك ، لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتختم، فقلت له صحيح ولكنه لم يضع خاتما في يده بسبب تزوجه أحدا من زوجاته، هذه قصة حدثت معي جعلتني أستغرب مدى إهمال شباب اليوم للعلوم الشرعية وتعلقهم بالعلوم الدنيوية.
فلماذا نحرق أنفسنا في سبيل التأكد من أمر دنيوي بينما لا نعطي أدنى مبالاة للأمور الشرعية، لماذا يسهر بعضنا الليالي ليتابع تحركات سهم أو تغير في قيمة عملة ما، أو يقرأ مئات الكتب مثلا في مجال ما ولكن لا يقرأ صفحة في القرآن؟
ذمتي في رقبة المفتي:
يقول بعض الجاهلين، ذمتي في رقبة الشيخ الفلاني، هو من أفتى بجواز هذا الأمر وهذا سبيل المقلدين، يذكرني قولهم بنا حينما نخطئ في صغرنا فيقول لنا أهلنا ما الذي جعلك تفعل هذا، فنقول فلان قال لي افعل هذا، فيقولون لنا إن قال لك فلان أن ترمي نفسك من السطح فهل تفعل ذلك؟ وهذا ما أقوله لجميع المسلمين، فإن قال لك أحد الرويبضة أن افعل هذا فهل تفعل ما يطلب مباشرة؟
لقد أصبحت الفتاوى في أيامنا هذه من آخر المراجع الدينية الموثوقة وأنا لا أعمم فهناك أسماء كالنجوم قلما يخطئوا في فتواهم، ولكن علينا احتياطا أن لا نجعل الفتوى كمصدر رئيسي لنا بل نتأكد من مصادر أخرى في القرآن والسنة ونتأكد من فتاوى أخرى ثم نبحث أي المصادر بعد القرآن والسنة حقق أعلى مصداقية فنأخذ منه.
هناك أيضا كثيرا من الأمور والتشريعات الدينية التي لم تكن في زمان القدماء والتي لا يتم استنباطها أحكامها غالبا إلا عن طريق القياس، كالفتاوى البنكية وما يتعلق بأمور التقسيط والشراء والقروض وهنا أيضا رأينا اختلافا بين العلماء ولكن وللأسف تجد أن عامة الناس تسلك المسلك الأسهل وتقول ذنبي في ذمة فلان، أقول أنا أن كل مفتي أجتهد ولكن واحد منهم فقط أصاب والباقي أخطئوا، فنحن مخطئون و آثمون عندما نأخذ أسهل المسالك دونما أن ننظر إلى وجهات النظر الآخرى، وأزيدكم في الشعر بيتا إن كثيرا من الفتاوى البنكية التي كانت محرمة بالإجماع وجدوا لها سبلا فأسلموها وظهر بعض العلماء وأفتى بحلية هذا الشئ ولكن البنك وللأسف لم يلتزم بالطريقة التي تجعل من منتجه منتجا إسلاميا وإنما أخذ التصريح وحصل على الفتوى المؤيدة لمنتجه ثم عاد ليتصرف بطريقته الربوية التي كان يتصرف بها كسابق عهده وقد وجدنا بعض العلماء ممن تبرأوا من فتاوى أفتوها لبعض البنوك بعد أن اكتشفوا حقيقة أن البنك لا يلتزم بالطريقة التي تجعل من منتجه إسلاميا، فقد تؤجر أخي المسلم إن تأكدت من صحة الفتوى وقد تؤجر مرتين لتأكدك من التزام الجهة بالطريقة التي تجعل من منتجها إسلاميا ولا يكفي أن تجد فقط مصادقة اللجان الشرعية كي تحصل على المنتج بلا تردد.
مثال من أرض الواقع يلامس المنطق: لنقل أنك في خلاف كبير بينك وبين جارك فاشتكى جارك إلى قاض البلدة، فطلبك القاض إلى المحكمة وحكم عليك ظلما بدفع مبلغ ما لجارك، وقال لك أنا سمعت وجهة نظر جارك واكتفيت بها وحكمت بكذا وكذا، فهل هذا من العدل؟ فكن عادلا فيما هو أعظم واتقي الله في شرائعه واقرأ عدة وجهات نظر قبل أن تصدر حكمك.
الذنوب الإلكترونية:
صورة أخرى تدل على إهمال العلم الشرعي و انكماشه في عقول المسلمين هو انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة عبر البريد الإلكتروني، المعظم يرسلون الرسالة دون أدنى تأكد من صحة ما ذكر فيها أو من صحة مصدرها، في يوم من الأيام وصلني حديث على بريدي الإلكتروني وقد وضع له مرسله مرجعا:" صحيح الجامع" وكنت لحسن الحظ قد أنهيت قراءة هذا الكتاب من فترة قريبة وشككت في الحديث فتأكدت فما وجدته في صحيح الجامع ولكن وللأسف كان الحديث موضوعا وموجود في كتاب ضعيف الجامع، احذروا إخوتي مما يصل إليكم على البريد بدلا من أن تحصلوا على آلاف الذنوب الإلكترونية وهي الأكثر اكتسابا بسبب سرعة تمرير هذه الرسائل ونرجو إن كنتم لا تملكون الوقت للتأكد أن تحذفوا الرسالة بدلا من أن تمرروها، وإن توفر لكم الوقت للتأكد ووجدتم عدم صحة أو ضعف أو كذب فنبهوا الذي أرسل لكم الرسالة لأن دفن الجيفة أفضل من تركها لعله يقوم بحملة عكسية ينبه بها كل من أرسل لهم هذه المعلومات الخاطئة.
أستفتي قلبك:
يكاد يقتلني جهلة أخرون ممن يأخذون بظاهر الشيء فيتذرعون بحديث صحيح لم يفهم أحدهم معناه والحديث برواية وابصة بن معبد الأسدي رضي الله عنه حين قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت تسأل عن البر والإثم ؟ قال : نعم ، فقال : استفت قلبك : البر ما اطمأنت إليه النفس ، واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك. رواه الإمام أحمد وحسنه الألباني
فيقول الجهلة أنا أستفتي قلبي ولا يهمني ماذا يفتي العلماء وهذا فهم خاطئ للحديث، فالنفس أمارة بالسوء وهي تستهوي الممنوعات وتجمل المحرمات فتجعلها حلالا فكيف لنا أن نستفتي نفسنا في ما شرع الله، وإن كان استفتاء الشخص لنفسه صحيحا فلماذا أنزل الله تشريعاته في القرآن والسنة؟
"حينما تشكل عليه مسألة إما سؤاله لأهل العلم إن لم يكن منهم أو بعد أن درس المسألة هو في حدود استطاعته وأجتهاده ثم لم يتحرر له مسألة ولم يتبن له صواب حين إذن يستفتي قلبه" الألباني في سلسلة الهدى والنور: شريط 25
خطر هذه الظاهرة مستقبلا:
قد يؤدي إستمرار هذه الظاهرة إلى ضياع الدين، لأن ضحالة العلم الشرعي بين الناس تؤدي إلى بروز الجهلاء الذين يرتدون رداء العلماء ولكن لا يملكون من علمهم شيئا، ويصبح شخص قليل العلم بين مجموعة جهّال كالعالم.
عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس . ولكن يقبض العلم بقبض العلماء . حتى إذا لم يترك عالما ، اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم . فضلوا وأضلوا" رواه بخاري ومسلم.
الخاتمة:
إقبال الناس على التحقق والتوسع في الإحاطة وتوسيع المعارف فيما يتعلق بالعلوم الدنيوية طاغ على طاقاتهم المبذولة في توسعهم بالعلوم الشرعية، فأضعف الإيمان أن نوازن بين سعينا في معرفة علومنا الدنيوية وبين سعينا في معرفة علومنا الشرعية، وكلما وجدنا ضيقا أثناء بحثنا عن تشريع ديني لنتذكر الحديث الشريف: عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم ، إلى يوم القيامة" رواه مسلم
والله أعلم والله الموفق.
@11:23:37 AM)مشكووووووور اخي العزيز المهند بارك الله بك و جعله في ميزان حسناتك اخوك احمد الهلالي - العراق