تمهيد:
نعم الله لا تحصى وإن حاولنا إحصائها (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) إبراهيم :34، وكلما تأملنا من حولنا اكتشفنا نعم كثيرة لم نكن لنحصيها لولا أن تأملنا، الحمدلله الذي فضلنا بنعمه عن كثير من مخلوقاته، في مقالي هذا أحاول أن أوصل القارئ إلى مرحله يبدأ بها باستشعار النعم من حوله بتطبيقات عمليه، سيقول البعض وما الداعي إلى ذالك؟
1: لكي نتأقلم ونتدارك أنفسنا إن فقدناها لأن الإبتلاء وارد في القرآن قال الله تعالى ( و لنبلونكم بشىء من الخوف و الجوع و نقص من الاموال و الانفس و الثمرات و بشر الصابرين).
2: لكي يزيدنا الله من نعمه فإن اسستشعرنا نعمة وتخيلنا فقدانها حمدناه عليها (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) 7 : إبراهيم
3: لكي نتفهم الناس الذين فقدوا تلك النعم وننظر لهم من منظور آخر.
4: لنحمد الله تعالى في السراء والضراء وفي أناء الليل وأطراف النهار. يقول تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) يونس:60
5: إن وعينا بنعم الله من حولنا فسنرتاح ونطمئن مهما كان وضعنا الإجتماعي.
6: إن معرفتنا للنعم تساعدنا على بذل المزيد من المجهود في الطاعات والعبادات لرد فضل الله علينا.
7: التأمل شكر لله تعالى، تأمل حال موسى – عليه السلام – حينما نظر إلى حق ربه أولا قبل أن ينظر إلى عمله، فقال: يا رب كيف لي أن أشكرك، وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازى بها عملي كله، فأتاه الوحي: يا موسى الآن شكرتني، ويقول الحسن البصري : أكثروا ذكر النعم فإن ذكرها شكرها.
8: إدراك النعم يجعلنا يقينا شر القنوط إن خسرنا أو فقدنا أحد النعم سواء بإستحقاق أو ابتلاء ويدفعنا للاستغفار بعد القيام بالطاعة لا للإعجاب بها ، يقول تعالى (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) فكيف ننقلب إن كنا على علم أن الله بيده كل شئ ؟
9: ذكر النعم يورث الشكر، وبالشكر وعدنا الله بالزيادة، قال تعالى : (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) إبراهيم : 6
أنواع النعم :
يقول تعالى: (ألم تروا أنّ الله سخّر لكم ما في السموات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) لقمان: 20
إذن النعم على أنواع: نعمة يعلم بها العبد (ظاهرة) ، ونعمة لا يشعر بها ( باطنة) ، ونعمة يرجوها (ظاهرة)، ومن تمام منة الله على عبده أن يجعله على علم بنعمه وبحمد مستمر عليها وببحث وتأمل في النعم التي لا يعلمها ولا يحصيها وباستعفاف ودعاء مستمر للحصول على النعم التي يرجوها.
من أسباب جحد النعمه:
1- أن نظن أن الحال الذي نحن فيه هو من تعبنا واجتهادنا وكدنا ، يقول تعالى : (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) النحل:78، ويقول تعالى : (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون) الأعراف:10
وننسى أن الله هو من سهل لنا كل هذه الطرق والسبل وهو قادر على أن يأخذ كل ما عندنا بلحظة وكل ميسر لما خلق له، أذكر لكم ذلك الذي نسى فضل الله عليه وجائت قصته في القرآن في قوله تعالى : (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً .... وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدا) 35.. 42 : الكهف
2- أن ننظر إلى من هم أعلى منا وننظر إلى ما في أيدي الناس يقول تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) النساء : 32
ويقول صلى الله عليه وسلم : "انظروا إلى من أسفل منكم . ولا تنظروا إلى من هو فوقكم . فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله" رواه مسلم والترمذي وذكره الألباني في الصحيح.
هناك فرق كبير ما بين شكر الله على نعمه بمجملها وشكره عليها بتحديدها وتعيينها.
مثال من واقع حياتنا: نحن نقول الحمدلله على النعم التي أعلمها والتي لا أعلمها ولكن هناك فرق كبير بين من يحمد الله على شرب كأس ماء عادي أو أن يشرب كأس ماء بارد في شدة الحر وهو في شدة العطش إذا يحمد الله بكل إمتنان وكل عضو في جسمه يقول الحمدلله. كذلك التأمل وإستشعار النعم ثم الحمد عليها يشابه كثيرا حال كأس الماء هذا، وبناء على هذا فنحن بقليل من التأمل سنجد الكثير من النعم ولن نستطيع عدها إن أمسكنا بورقة وقلم.
الإستهزاء بالنعمه من غير علم:
كثير من الناس حولنا لم ينعم الله عليهم بما أنعمه علينا، وكثير منهم يتعايش مع أمراض وعلل ومتلازمات وإعاقات ولادية أو مستديمه من حادث ما، ينظر البعض عليهم بعين إزدراء ولا يحاول تفهمهم لأنه لم يضع نفسه في مكانهم
فتراه يضحك من أخرسان يتحدثان لغة الصم ويضحك من الأصوات التي يخرجوها بشكل لا إرادي ونسي أن الله بكلمة كن قد يأخذ منه بصره وسمعه ونطقه.
كيف نميَز النَعم ؟
يقول الناس: إن الشخص لا يعي بالنعمة التي بها حتى يفقدها وقد عايشت هذه المقوله حينما تركت أهلي للدراسة في الخارج فأحسست بنعمة الأم حينما بدأت أستوعب أنه لا يوجد من يغسل ملابسي لا يوجد من يكويها لا يوجد من يطبخ لي وكلما أعايش أمرا كانت أمي تفعله أدركت كم أنا كنت بنعمة من الله. ولكن هذه المقولة غير كافية !!؟؟
إذا أن النعم تميَز بزوالها نعم ، كما تميَز بدوامها أيضا، ألم يسألك أحد بمساعدته بما أنعمه الله عليك من مال أو قوة أو معارف ولو ما كانت دائمة عليك لما اشتهرت بتوفر هذه النعمة عليك ولما طرق بابك البعيد قبل القريب... وتميَز النعم بالتفكر والتأمل بها وهذا ما أرنوا إليه في هذا المقال.
والآن أترككم مع بعض التطبيقات العمليه :
التجربة الأولى: في يوم من الأيام لجئت إلى السرير في وقت متأخر بعد صلاة الفجر فخفت أن يزعجني نور الشمس أثناء نومي فعصبت عيناي بقطعة قماش وبعد أن تمددت على السرير تذكرت أني نسيت أن أربط المنبه وكنت قد ربطت العصبه بشدة كي لا تنفك أثناء تقلبي، كنت أعرف أين المنبه في غرفة أخرى فقررت بيني وبين نفسي أن أحضره بدون أن أفك العصبه لأستشعر نعمة البصر فقمت من السرير وأنا معصوب العينين، خطوة فخطوتين ثم دست على شئ كان ملقى على الأرض فحمدت الله على نعمة البصر ثم انصدمت بالباب ثم بالحائط وبدأت أستشعر نعمه البصر وأحمد الله عليها وبعدة عدة محاولات لم أستطع أن أصل إلى المنبه إلا بعد أن نزعت العصبة من على عيني. كم يعاني الأعمى يا ترى في حياته ؟ الحمدلله على نعمة البصر، الحمد لله أن أعينكم ترى ما كتبته.
التجربة الثانية : أرخيت عضلات قدمي وكأني لا أملك قدمين وبدأت بالزحف مستخدما يداي، حاولت إرتقاء الكرسي والسرير حاولت أن أملئ بعض الماء حاولت الذهاب للحمام وأدركت كم أننا في نعمه بسبب هاتين القدمين وكم يعاني المشلول في حياته.
التجربة الثالثة: وضعت شريطا لاصقا على فمي وبدأت أحاول التعبير لأحد أفراد عائلتي عن أمر ما فلم أستطع أن أوصل له الفكره فأدركت كم يعاني الأخرس وأستغرب كيف يضحك منه الناس وكيف لا يحاولوا أن يستوعبوه وهم وبكل أنانيه نسوا أن الله قد منَ عليهم بهذه النعمه.
والتجارب كثيرة: إذهب إلى مستشفى المجانين لستشعر نعمة العقل، إذهب إلى أفقر الأحياء في مدينتك وانظر حال الناس لتحمد الله على كل قرش لديك.
يمكنك أن تخترع الكثير منها لستشعر نعم الله عليك فتحمده عليها بصدق. فلنجلس مع أنفسنا كل يوم ولنعطي نفسنا بعض الوقت للتأمل في نعم ربنا علينا ولنخترع فكرة تطبيقية كل أسبوع ولنطبقها لنستشعر الفضل والخير الذي نحن فيه، وليشاركنا القراء بأفكار تطبيقيه نعايس من خلالها النعم الباطنة وله الأجر إن شاء الله.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والله الموفق
@09:23:54 AM)بارك الله فبك، وفكرة التجار التطبيقية جدا رائعة، جعلها الله في ميزان حسناتك.