إستطلاعات الرأي أثبتت أن القرارات النموذجية التي يتخذها معظم بنو الإنسان كل عام يتم تكرارها على مدار عشرة أعوام متتالية ، ففي كل عام يتم التخلي عن ربع هذه القرارات في الخمسة عشر أسبوعا الأولى، ويتم استدعائها من جديد في العام التالي، وبهذا نجد أن قائمة الأهداف التي نريد تحقيقها تطول مع السنوات ولا يتحقق منها شيئ يستحق الذكر، وقد تطرقت إلى هذا المشكلة في مقالين سابقين بعنوان الإنسحاب السرمدي وأعيد وأكرر بأن الإعتراف بالفشل هو الخطوة الأولى في سبيل التغلب على الصعاب ... عنوان المقال سيعكس الحل الوحيد لظاهرة الإنسحاب السرمدي وسأتطرق في مقال هذا الأسبوع إلى التحدث عن الحل فقط.
تتراكم علينا الأمور والمهمّات ونبقى نتجاهل مشاكلنا وتحدّياتنا في معظم الأحيان إلى اللحظات الأخيرة فإذا جائت اللحظة الأخيرة بذلنا ما لا تطيقه أنفسنا فلم ننجح في حل هذه شئ وهذا ينطبق علينا مذ كنا أطفالا نؤخر دراسة امتحاناتنا إلى الليلة الأخيرة التي تسبق الإمتحان ولست في صدد تحديد سبب نشوء هذه العادة.
- كيف يصبح الحلم حقيقة:
1- ثقافة التساؤل:
علينا أن نسأل باستمرار عن أهدافنا وكيفية تحقيقها والعوائق التي تعيقنا من تحقيقها وإن كنّا في بداية الأمر لا نطبّق شيئا مما نرومه، لأن المواظبة على سؤال النفس تحفّز المخ المركزي لإعطاء الملاحظات ومعالجة الأسئلة وبعد فترة من طرح الأسئلة "بشكل يومي لنفترض" سيبدأ المخ بإطلاق الأجوبة عندما تختمر في الرأس جيدا، ويمكن أن تجرّبوا شخصيا تدريبا عمليا بوضع سؤال على رأس صفحة مثلا: ( كيف أترقى في وظيفتي خلال سنة واحدة) ولاحظ أنه كلما قرأت السؤال في كل يوم ستأتي بأشياء جديدة وفرضيات وتبدأ تناقش نفسك حتى تتوصل إلى إجابات مكتملة تتمكن من خلالها إلى الوصول إلى أهدافك بشرط أن تكون الأسئلة صغيرة وإيجابية.
"إننا نشكل حياتنا عن طريق الأسئلة، سواء تلك الأسئلة التي نطرحها، أو التي نعرض عن طرحها، أو التي لا نفكر مطلقا في طرحها" سام كين.
2- التخيل:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرك ملكة الخيال لدى المسلمين عندما حدثهم بفتح القسطنطينية التي كان يرى المسلمون في تلك الأوقات استحالة فتحها حينما قال:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق ، أم بدابق . فيخرج إليهم جيش من المدينة . من خيار أهل الأرض يومئذ . فإذا تصادفوا قالت الروم : خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم . فيقول المسلمون : لا . والله ! لا نخلي بينكم وبين إخواننا . فيقاتلونهم ... الحديث" رواه مسلم
فلم ينجح في فتح القسطنطينية إلا محمد الفاتح الذي أتأكد بأنه تأمل بهذا الحديث كثيرا وتخيل نفسه يفتح المدينة عشرات المرات قبل أن يفتحها فعليا وقرر أنه سيكون من خيار أهل الأرض الذين تحدث عنهم الحديث ... حتى تحول خياله إلى حقيقة وفتح القسطنطينية.
يبدوا لي أن التخيل هو بند أساسي في حياة معظم الناجحين أو على الأقل لنقول الذي نجحوا في تحقيق أهدافهم، وكلنا يعرف المقولة الشهيرة لآينشتاين : المعرفة قوة ولكنه قال أيضا : التخيل أقوى من المعرفة ...
إن الحقيقة الغريبة التي تحدث عنها "إيان روبرتسون" في كتابه "الإيهام العقلي" تقول(أثناء الإيهام العقلي لا يدرك العقل أن النشاط المتخيل ما هو إلا أداء غير حقيقي) ويبت معظم علماء النفس بأن العقل الباطن لا يفرق بين الواقع والخيال فإذا حدثنا أنفسنا بما نريده مستقبلا أو تخيلناه فلن يدرك عقلنا الباطن ذلك وإنما يعمل على تحقيقه فقط.
3- القليل الدائم:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل . قال : وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته" رواه مسلم
إن رسالة الإسلام قد تكون ضخمة جدا في حال ما نشرت تعاليمها دفعة واحدة، وقد يكون القرآن ثقيلا جدا على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين في حال نزل في ليلة واحدة، ولهذا التجزيئ والتقسيم للأشياء الضخمة إلى أجزاء صغيرة حكمة ربانية وكونية معا، هذه قاعدة دينية تعلمناها في الصغر من الحديث النبوي الشريف ولكننا لم نطبقها .. أذكركم بها إن نسيتموها: عن عائشة رضي الله عنه قالت : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصير . وكان يحجره من الليل فيصلي فيه . فجعل الناس يصلون بصلاته . ويبسطه بالنهار . فثابوا ذات ليلة . فقال : " يا أيها الناس ! عليكم من الأعمال ما تطيقون . فإن الله لا يمل حتى تملوا . وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل" رواه بخاري ومسلم والنسائي وصححه الألباني
إن الأشياء تتميز بأضدادها فالمداومة على القليل من الطاعة خير من الكثير المؤدي إلى الانقطاع، ومن هذه القاعدة الدينية يمكنني أن أجعل حياتي كلها تجري على هذه القاعدة، فبدلا من أن تطول قائمتي وأنسخها نفسها كل عام يمكنني أن أبدأ بأعمال صغيرة بأحد فروع هذه القائمة عوضا من فزعي من كثرة المهمات المدونة في القائمة فلا أفعل شئ بسبب الخوف القاتل، أو أني أفعل وأنسحب ذاك الانسحاب السرمدي المقيت.
أنا لا أقول بأن الخطوة الصغيرة كافية لوحدها للوصول إلى أهداف كبيرة ولكنها السبيل الوحيد للبداية التي يمكنها أن تخدع وتقاوم ما جبل عليه الإنسان من "الخوف من التغير" فتؤدي إلى خطوة ثانية أكبر فثالثة فرابعة حتى تصل لهدفك، يقول الغزالي : "اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب منها : الإصرار والمواظبة"
لو زرعت فسيلة كل يوم فسيصبح عندي غابة في نهاية السنة، ولو وفرت درهما واحد كل يوم لوجدت في نهاية السنة 365 درهما ولو تعلمت كلمة إنجليزية كل يوم لوجدت فرقا كبيرا بيني وبين أقراني، وكذلك القرآن نجده كبيرا جدا ولكن بحفظنا لبضع آيات كل يوم نجد أنفسنا قد ختمناه بعد بضع سنين ولكننا نفضل الخوف من التجربة برمتها بدلا من أن ننظر إليها كأقسام صغيرة يمكننا فعلها بسهولة لا توصف.
يقول صاحب الإحياء ولذلك قيل : ((لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار فكبيرة واحد تنصرم ولا يتبعها مثلها فإن العفو أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها ومثال ذلك: قطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه وذلك القدر من الماء لو صب عليه دفعة واحدة لم يؤثر))
أعجبني استدلال قرآني وجدته في مقال بعنوان : ظاهرة الأعمال المبتورة لكاتبه خالد رُوشه يذكر فيه:
قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39)وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) النجم : 33،42
فالقرآن يلفتنا إلى أولئك الذين تنقطع بهم أعمالهم الصالحات ويتولون عن العطاء والبذل والتضحية, وهم لم يعطوا حقاً لربهم ولا لدينهم ولا لآخرتهم إلا قليلاً من عمل ونزراً من عطاء, فكأن صورتهم هي صورة الباحث عن ماء ليطهر نفسه ويرتوي من عطش فهو يحفر بئر ماء وبينما هو يبتدئ بالحفر إذ تواجهه صخرة (كدية) توقفه عن العمل والحفر والبحث عما يسعده وينفعه.. وههنا تقول العرب عنه: (أكدى) يعنى انقطع بينما هو يبحث عن مائه.. فلا هو انتفع بما حفر سابقاً ولا هو انتفع بماء وجده!!
كما ينبهنا القرآن العظيم إلى حال هذا الشخص المنقطع عمله.. فهو لم يعلم علم الغيب أن له عمرا آخر يستطيع أن يتدارك فيه ما قصر, كما أنه تغافل عما علمه من وصايا الشرائع كلها أنه لن ينفعه سوى بذله الدائم وسعيه المستمر, وأن ليس للإنسان إلا ما سعى, وأن ذاك السعي سوف يراه ربه _سبحانه_ فينبغي أن يحرص على نقائه وشفافيته وكماله واستمراره, وبقدر اكتمال سعيه بقدر ما يجازى به من الخير من ربه.. انتهى الإقتباس من المقال.
كثيرا ما لا نتدارك خطأ عدم التنفيذ ونرمي باللوم على العمر والزمن ودائما ما نقول يا ليتني أعود إلى المدرسة ثم عندما نتخرج نقول لو أعود إلى الجامعة لفعلت كذا وكذا وبعد الثلاثين نقول يا ليتنا نعود للعشرين وبعد الأربعين نقول يا ليتنا نعود للثلاثين ونحن بالحقيقة نضحك على أنفسنا بهذه المقولة ، ولا يذكروني قائليها إلا بآية في القرآن نصها : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ....) المؤمنون:100
- من محفزات الثبات :
- إحسان الظن بالله والمداومة على الدعاء كونه شرط من شروط الإستجابة أيضا، قال تعالى :
(قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ) الفرقان : 77
- مخاطبة النفس واستمرارية التخيل للهدف ومعوقات حصوله وكيفية حلها حتى قبل الإصطدام بها والإضطرار إلى حلها على أرض الواقع.
- أن نضع نصب أعيننا النتائج النهائية التي ستحصل من المداومة على هذه الأعمال الصغيرة ولتجعلها في ورقة تضطر لقرائتها كل يومك فلا تنسحب كما كنت في السابق.
- أن تتشارك بقائمة الأهداف التي تريد أن تحققها مع صديق صدوق يتابعك ويشد عليك إذا تراخيت و يهدئ من روعك إن شددت على نفسك كثيرا.
- إدراك أن الفشل سنة كونية، إن لم نمر بها فلن نرتقي إلى الدرجات العلى في سلّم الحياة الطويل، ولو اطلع بعضكم على قصص كل الناجحين في هذا الكون لوجد أن الفشل مسلّمة في نشاطاتهم اليومية وكان يعتريهم حتى بعد نجاحهم ولكن الفرق بين الشخص العادي والناجح أن الفشل لا يشكل عائقا بل تحديا لتجاوزه.
الخاتمة:
أسأل أن يكون ظني بأن القليل الدائم هو الحل صحيحا، وسأكون أول من يجربه قبل أن أنصح قرائي بتجربته، بداية بتهيئة العقل وبرمجته عن طريق التساؤل ثم التخيل ومن ثم القيام بالأفعال الصغيرة الدائمة ومحاولة الثبات بعدة طرق ومن ثم زيادة الأفعال الصغيرة إلى أخرى أكبر منها بأسلوب تراكمي مستمر هو الحل إن شاء الله لإنهاء قائمة الأهداف التي نخطّها بداية كل عام ثم لا ننجز منها شيئا يذكر ... إن التغيير اليسير يعين العقل على الإلتفاف حول الخوف الذي يعوقنا للنجاح بالعادة، تغيرات يسيرة بحيث بالكاد يمكننا ملاحظتها .... ألا ترى قطر الماء كيف يؤثر في الصخر على رقة الأول وصلابة الثاني ... إن الماء يثقب الصخر ليس بالقوة ولكن بالتواصل.
تفاءل ان قطر الماء يوهن جلمد الصخر وفي الرمضاء باسقة تدر حلاوة التمــــــر
تفاءل ان غيث الفأل مثل الماء للبـــذر وصافح شاطئ الرضوان بالايمان والذكــر
قال تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) البقرة : 185، بهذه الآية الكريم أختم مقالي، هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
@07:13:52 AM)شكرا على هذا المقال الرائع و المتمم لموضوع الإنسحاب السرمدي ... جزاك الله خيرا أستاذالمهندالسبيعي على هذا الطرح المفيد الذي وضح لنا الحل..فالقليل الدائم مع التدرج في الأعمال ينمو و يبرعم و يثمر إن شاءالله..و من علامات قبول الأعمال عند الله الثبات على الطاعات و المداومة عليها