ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
الكاتب: المهند السَّبيعي(أنقر لقراءة المزيد من مقالات الكاتب)
تاريخ الإضافة: 27/04/2009 - (ميلادي)  ~  03/05/1430 - (هجري) أرسل الى صديقنسخة ملائمة للطباعة


المهند السبيعي

 تمهيد :

ظلم الإنسان لنفسه واحدة من المسلمات التي لا يقتنع بها إلا مؤمن، فبسبب ضعف الثقافة الدينية بين المسلمين انتشر بين ضعاف العقول والقلوب ظنا تعالى الله عليه، أن الله يظلم عباده ولا يعدل بينهم ولا يقسم الأرزاق بحق و إنصاف فتجد بعضهم يقولون ( الله يرزق اللحم لمن لا أسنان له ) معترضين بذلك على الله وعلى تفسيمه للأرزاق ، فقائل تلك المقولة جادا كان أو مازحا في خطر كبير وهو قريب جدا من الخروج من الملة إن لم يخرج من الأصل.

 1.      المسلمة من القرآن:

 آية تكرر نصها في القرآن تسع مرات ... وكل مرة تكون في مناسبة و تصاحب قصة ما مليئة بالعبر وتكون العبرة الرئيسية بها أن الإنسان هو من يظلم نفسه بيده لا يظلمه أحد، من إعجاز القرآن أنه أحيانا حتى لو تكررت القصص فحتما لن تجد تشابها إن تدبرت جيدا،  فلماذا تكررت هذه المسلمة بشكل أو بآخر 9 مرات في القرآن الكريم ؟
قد يكون التكرار بهدف التوكيد كما قال السيوطي أن التكرير وهو أبلغ من التأكيد ، وهو من محاسن الفصاحة خلافاً لبعض من غلط.
وقد يكون التقرير ، وقد قيل " الكلام إذا تكرَّر تقرَّر " ، وقد نبه تعالى على السبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والإنذار في القرآن بقوله ( وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ) وقد يكون التذكير، فيما يلي تفصيل متواضع عن مسألة التكرار في القرآن:

.2 التكرار في القرآن الكريم:

التكرار في الإصطلاح :  تكرار كلمة أو لفظ أكثر من مرة في سياق واحد لنكتة ما، وذلك إما للتوكيد، أو لزيادة التنبيه أو للتهويل، أو للتعظيم. وقد قسّمه العلماء إلى نوعين: أحدهما الذي نجده في اللفظ والمعنى، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع. والآخر الذي نجده في المعنى دون اللفظ،

كقولك: أطعني ولا تعصني، فإن الأمر بالطاعة هو النهي عن المعصية.

ورد التكرار في القرآن في عدة مواضع بشكل منفصل في عدد من السور أو في سورة واحدة أو بشكل متصل بنفس الآية، وبما أن القرآن كان إعجاز للبلغاء العرب كان لكل شئ فيه لافت للنظر حكمة لا يعلمها إلا الله وعدد قليل من خلقه الذين فتح الله عليهم من حكمته، حاول بعض البلغاء والمفسرين استنباط وتفسير هذا الظاهرة إلا أنهم اختلفوا في دلالة توظيفها، فانقسموا إلى فريقين. ففي حين رأى فريق في التكرار ظاهرة ملحّة، يرتكز عليها القرآن الكريم في بنيته، لا سيّما أن من وظائفه البلاغة والتأكيد على المعنى المقصود من الألفاظ المكرّرة.
 نفى الفريق الآخر التكرار من القرآن تمامًا، بادّعاء عدم الفائدة من تكرار اللفظ نفسه في السياق نفسه للمعنى نفسه. فحتى لو كانت الألفاظ مكرّرة، فإنها تدلّ بنظرهم على معانٍ مختلفة.

ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن لكل أحد في كل وقت قراءة تمام القرآن الذي هو دواء وشفاء لكل أحد في كل وقت، "فلهذا أدرج الحكيم الرحيم أكثر المقاصد القرآنية في أكثر سوره، لا سيما الطويلة منها، حتى صارت كل سورة قرآنًا صغيرًا، فسهّل السبيل لكل أحد، دون أن يحرم أحدًا، فكرّر التوحيد والحشر وقصة موسى عليه السلام في أكثر من موضع.

3. سبب النزول:

سبب النزول: وهو أنه ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبينة لحكمة أيام وقوعه، ويقصد بأيام وقوعه صلاحية الوقت والزمن لأن يوجد فيه تشريع، وعلى هذا نستطيع أن نقول أنه يمتد طيلة أيام نزول القرآن والتي استمرت حتى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3.1 ينقسم سبب النزول إلى قسمين:

- أن تقع حادثة أو تحصل واقعة في المجتمع المسلم فيرتبط بها سبب نزول مبينا حكم الله في ذلك، أو توجيه المسلمين لما يفعلون حيالها.
- أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر فينزل الملك بشئ من القرآن جوابا على ذلك السؤال.

3.2 الحكمة من معرفة سبب النزول:

 يقول السيوطي: إن لسبب النزول دورا فعالا في الإهتداء إلى المعنى الأقرب لمراد الباري عز وجل.

ويقول ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
ويقول الواحدي: لا يمكن تفسير آية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.

3.3 الحكم من معرفة أسباب النزول بما يلي*:

1-                 معرفة حكمة الله تعالى على التعيين في تشريعه.

2-                 الإستعانة على فهم الآية ودفع الإشكال عنها.

3-                 دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر.

4-                 تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

5-                 معرفة من نزلت الآية على التعيين حتى لا يشتبه بغيره.

6-                 تيسير الحفظ وتسهيل الفهم، و لا ريب أن ربط الحكم بحادثة يسهل حفظها وحفظ حكمها وفهمه أكثر من غيرها.    * تلخيص الدكتور ماهر الفحل

4. التفسير في القرآن:

اختلف المفسرون في تفسيرهم، ولكنهم اجتمعوا على أن الخطاب موجه لبني آدم أنهم كانوا سبب فيما حصلهم لهم وأنهم ظلموا أنفسهم بأيديهم، فإما لأنهم كفروا بأنعم الله فكانت عاقبة ظلمهم بكفرهم بنعم الله عائدة عليهم كما في قوله تعالى:(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) البقرة : 57، أو أنهم كفروا كمن كفر قبلهم في تكذيبهم لرسلهم في قوله تعالى:(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) التوبة : 70 ، وعلى مراجعتي لتلك الآيات فنحن كمسلمون بأفعالنا نظلم أنفسنا بأنفسنا، فلماذا نحتج إن لم تنزل الأمطار ولماذا ندعوا الله أن ينصرنا ونحن لا ننصره ولماذا نحزن على ذلنا أمام الغرب ونحن من أتحنا لهم الفرصة، وأختم بقول ابن عباس أن معنى يظلمون في " وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" أي يضرون" انتهى حديثه.
فما ضروا الله عز وجل ولا يضر ربي أحدا ولكن كانوا أنفسهم يضرون.

5. من السنة النبوية:

كما ذكر في القرآن براءة الله من ظلمه للعباد كذلك ذكرالحديث الشريف ذلك في عدة مواضع كان أحدها:

عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال:
"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا،  يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"  رواه مسلم و الترمذي وابن ماجة في لفظ آخر

6. حكم وعبر:

بعد معرفة هذه المسلمة يجب أن ننظر إلى الحياة من زاوية أخرى، فبعد أن عرفنا أن كثيرا مما يحدث لنا هو من صنيع أيدينا ومن أفعالنا ومن سوء ظنا بالله يجب أن ننظر بعين المذنبين الذين جنوا على أنفسهم وعلى غيرهم حينما اتبعوهم وقلدوهم ... الصور كثيرة في ظلمنا لأنفسنا، مثلا نحن حينما لا نشكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى  نعتبر مقصرين لأن الله وعد الشاكر بالزيادة فماذا سيكون جزاء الجاحد ؟ وفي القرآن مئات الأمثلة التي يمكن أن نستشف منها المسببات للمصائب التي تمزق عالمنا الإسلامي وفي هذا حديث آخر ومقالات أخرى إن شاء الله.

أكتفي بهذا القدر والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.  

7. بعض من المراجع المستخدمة في كتابة المقال:

-         أسباب نزول القرآن – الإمام الواحدي

-         تفسير : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن – لمحمد الأمين الشنقيطي

-         الجامع لأحكام القرآن – الإمام القرطبي

-         التفسير الميسر – مجموعة من العلماء

-         مقال عن ظاهرة التكرار في القرآن - : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

-         تفسير الجلالين للإمام جلال الدين المحلِّي وجلال الدين السيوطي

 

 

لا يوجد تعليقات.
الاسم: (*)
البريد الإلكتروني: (*) (لن يتم عرضه للزوار)
نص التعليق: (*)
 
الرجاء أدخال
الكلمات التالية:
(*)


 
ألرجاء أدخال المعلومات الاتية - (*)