الفصل الاول: اسئلة عن مشروعية العمل الجماعي
1- هل العمل الجماعي فرض؟
الجواب: نعم العمل الجماعي فرض
تبيُّن سورة العصر بوضوح أن دعوة الإسلام لا تكون إلا في جماعة ؛ قال تعالى : (وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر : 1 ـ 3 .
فالتواصي بالحق والصبر الذي جاء في سورة العصر ، لا يتصور إلا في جماعة يوصي بعضهم بعضاً ، ويتعاون الجميع في بناء صرح الإسلام . وقد أكد القرآن الكريم بعد ذلك هذا المعنى في سورة البلد في قوله تعالى : (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) البلد : 17 .
2- كيف نربط الفرد بالجماعة؟
الجواب: ربط الرسول بين الفرد والجماعة بالتربية المبنية على الايثار والتضحية
كانت علاقة الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم علاقة ملازمة ومصاحبة . طابعها التأسي والإقتداء به في القول والعمل ، ومتابعته في السراء والضراء ، والمنشط والمكره واليسر والعسر. وقد إستطاع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا النمط من التربية أن يصل إلى مدى بعيد يربط الفرد بالجماعة ، بحيث لم يعد الفرد يتحسس آلام الآخرين فحسب ، بل يعيشها واقعاً حياً. فعندما رجع عثمان بن مظعون رضي الله عنه من الهجرة الأولى إلى الحبشة ، رأى ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء ، وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة ، فقال : والله إن غدوي ورواحي آمناً بجوار رجل من الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي . فمشى إلى الوليد بن المغيرة فردَّ عليه جواره. إنه لم يطق أن يتميز على إخوانه ممن هم يلقون العنت والأذى من المشركين . إنها التربية التي جعلت من المسلمين جسداً واحداً .
3- بما ان العمل الجماعي فرض هل يحق لجماعة ما ان تجبر الناس على الانتماء اليها؟
الجواب: لا لأن الجماعة الواجب اتباعها هي امة المسلمين.. لا تجمعا يشكل جزءا منها..
من الجماعات من غلا فقصر جماعة المسلمين على تجمُّعه الخاصّ، ولم ير لغيره شرعيَّة الانتساب إلى الإسلام أو الجماعة، فجعل لزوم جماعته جزءاً من أصل الدين لا تثبت صفة الإسلام ابتداءً إلا باستيفائه، واعتبر من لم يكن في جماعته كافرا، ومن كان في جماعته فخرج منها فقد خرج من رِبقة الإسلام، ورفض التقارب أو التعاون مع غيره من التجمُّعات والجماعات الأخرى . ونقول ان قصر مفهوم "جماعة المسلمين" على تجمُّعٍ بعينه، هو خطأٌ وزعمٌ لا دليل عليه، فجماعة المسلمين هي السواد الأعظم من أمَّة الإسلام، وهذه التجمُّعات أيًّا كان شكلها ليست الأمَّة ولا هي سوادها الأعظم، فمن أين أتى زعمهم هذا؟؟
4- ما هي خطورة احتكار جماعة ما تمثيل المسلمين ؟
الجواب: التكفير.. زهد الناس في الدين.. تشتيت الجهود
تبرز خطورة هذا الفهم القاصر حين تكرَّس الخصومة بين فصائل العمل الإسلاميّ، ويصبح التكفير قُرْبةً إلى الله تعالى، فكلٌّ منهم يتقرَّب إلى الله بإخراج الآخر من الملَّة، ويتعبَّد الله بقطع ما بينه وبين أخيه، وتزداد الفتنة عندما تنتقل هذه الخصومة إلى دائرة المنابر العامَّة، ويندلع لهيبها في أوساط الأمَّة، وأدنى ما يمكن أن يترتَّب على ذلك هو الزهد في العمل الإسلاميِّ كلِّه الذي يفقد احترامه بسبب هذه المهاترات، ويبدو في صورة الفِرَق المتناحرة والشِّيع المتلاعنة، وبدلاً من أن توجَّه هذه الجهود وهذه الطاقات إلى دعوة العالَمين إلى الله تعالى، تحوَّل إلى التكفير والتفسيق بل والضرب والقتل في أحايين كثيرة.
5- وماذا لو ادعت جماعة ما انها تمثل جماعة المسلمين؟ هل يجوز الانتماء اليها؟
الجواب: لا يبنغي ذلك لأنها بهذا الشكل تفرق بين المسلمين وتضع الولاء لها بمرتبة اعلى من الولاء لجماعة المسلمين.
لا تمثل هذه الجماعات والتجمُّعات على انفرادٍ جماعة المسلمين، وإنَّما هي خطواتٌ مرحليَّةٌ في الطريق إليها، وأنَّ التزام المسلم بـ"جماعة المسلمين" بمفهومها العامِّ والشامل أسبق من التزامه بهذه التجمُّعات الجزئيَّة، لأنَّ الأوَّل واجبٌ بأصل الشرع، فهو الذي دلَّت عليه النصوص، وانعقد عليه الإجماع، أمَّا الثاني فمستَنَد وجوبه هو المصلحة الراجحة، وكونه ذريعةً لإقامة بعض الواجبات الشرعيَّة التي قد لا يتسنَّى أداؤها إلا من خلال هذه الأطر. فلا ينبغي إذن أن تنقلب الأمور، ويصبح الولاء لهذا التجمُّع أو ذاك ذريعةً لقطع الولاء عن بقيَّة العاملين، أو مشوِّشًا على المفهوم العامِّ لجماعة المسلمين، فيتحوَّل إلى غايةٍ وقد كان وسيلة، ويصبح منتهى السعي وقد كان شوطاً من أشواطه، ويتمزَّق به ولاء الأمَّة بدلاً من أن تجتمع به وتتوحَّد من خلاله!! ويوم أن تصبح هذه التجمُّعات مفرِّقةً للكلمة، أو مشوِّشةً على الولاء العامِّ للإسلام والجماعة، فإنَّ شرعيتَّها من الأساس تكون موضع نظر، لما تقرَّر من أنَّ الذرائع تأخذ حكم المقاصد حلاًّ وحرمة.
6- بعض الجماعات تستدل على انها الفئة الناجية من حديث تفرق امة محمد على ثلاث وسبعين فرقة
جواب: لا يحدد الحديث فرقة معينة وقد يكون الناجون اناسا متفرقون من كل جماعة
ما مدى صحة الحديث الذي اشتهر بين الناس، وتناوله علماء الكلام والفرق وغيرهم؟ وهو الحديث الذي يقول:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: ما هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة" أو نحو ذلك،
- بعض العلماء قديما وحديثا شككوا فيه وخاصة في عبارة "كلها في النار الا واحدة". فالحديث اذن مختلف في صحته ، وإذا نظرنا إليه على أنه صحيح فإنما المقصود منه هو التحذير من الاختلاف.
- ليس بمستغرب ان تكون هناك فئات ضالة بهذا العدد اذا اخذنا بعين الاعتبار الفرق الضالة التي انحرفت وانقرضت مثل المعتزلة والقدرية و الجهمية..
- ثم إن الحديث يدل على أن هذه الفرق كلها (جزء من أمته) صلى الله عليه وسلم، أعني أمة الإجابة المنسوبة إليه، بدليل قوله:"تفترق أمتي" ومعنى هذا أنها ـ برغم بدعتها لم تخرج عن الملة، ولم تفصل من جسم الأمة المسلمة. وكونها (في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين.
- لا يحل لأحد أن يستعمل هذا الحديث لإثارة المشاكل بين المسلمين، فإن النصوص من الكتاب والسنة صريحة قاطعة بوجوب الولاء للمسلمين وحبهم والصدق في النصيحة لهم ، فلا يجوز ترك هذا الأمر المقطوع به من دين الإسلام والتعلق بفهم خاطئ في تفسير هذا الحديث. قال تعالى : ( ومن أحسن قولا مما دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين )
- لا يجوز إلحاق الوعيد بالنار بطائفة معينة من طوائف المسلمين ، لأن الحديث لم يعين ذكر لهذه الطائفة أو تلك ، وكما لايجوز تعيين طائفة للوعيد بالنار فلا يجوز تعيين طائفة للنجاة يوم القيامة. وللاسف يوجد من يعتبر نفسه اليوم الفئة الناجية مكفرا غيره من الفرق مستدلا بهذا الحديث.. علما اننا نستطيع ان نفهم الحديث على ان الفئة الناجية هي من تمسكت بتعاليم الاسلام من كل فئة موجودة لأن العبرة بالتطبيق وليس بالمسميات..
7- ما هي وظيفة هذه التجمعات اذن؟
الجواب: وظيفه هذه الجماعات تكاملية وليست تصادمية.. فهي انشئت لاهداف معينة
نشأت هذه التجمُّعات لمواجهة تحدِّياتٍ معيَّنةٍ واجهت الأمَّة في القرن العشرين، وإطلالةٌ سريعةٌ على أسباب تكوين هذه التجمُّعات تنبئ بذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ هذه التجمُّعات تصبح تكامليَّة لا تصادميَّة، بمعنى أنَّها كلَّها في صفٍّ واحد، وكلَّ واحدةٍ تقف في مواجهة تحدٍّ مختلفٍ عمَّا تواجهه الأخرى، فيكون الجمع هو الصحيح لا المواجهة.
8- هل على المسلمين الالتزام في جماعةٍ بعينها؟ أم الأَوْلى الابتعاد عنها كلِّها؟؟
الجواب: التجمعات وسيلة لا هدف وكل منا ادرى بنفسه واين يستطيع ان يبدع ويعطي
هذه الجماعات هي وسائل لا غايات، فإنَّنا حين نرغب في الوصول إلى مكانٍ ما مثلاً نختار أفضل وسائل المواصلات التي تؤدِّي الغرض وتصل بنا للغاية، وكذلك الأمر حين نرغب في الانتماء لكيانٍ ما، فإنَّنا نختار من هذه الاتجاهات ما كان أرجى للمسلمين، وأبصر باعتبار المآلات والموازنة بين المصالح والمفاسد، وأنسب لاستيعاب قدراتنا وملكاتنا والاستفادة من طاقتنا ومواهبنا لصالح العمل الإسلاميِّ الشامل، والأولويَّات التي قد تتغيَّر وتتبدَّل حسب الاحتياطات والتحدِّيات. إذا كان الأمر كذلك يصبح تحديد انتماء أحدنا مرتبطٌ بقدرته على تقديم أقصى جهدٍ في هذا السياق، بعيداً عن الأسماء والمسمَّيات، والأشخاص والهيئات، فمن كان أداؤه الأَوفى والأعلى حين يعمل منفرداً فليعمل، ومن كان يعطي كلَّ طاقته حين ينتمي لجماعات إسلاميَّةٍ فلينتمِ، ومن كان يجد نفسه وطاقته من خلال جمعيَّات المجتمع ومؤسَّساته فليسارع إلى الاشتراك فيها، دون إنكارٍ من أحدٍ على أحد، ولا لوم أحدٍ لأحد.
9- ما الهدف النهائي لهذه التجمعات؟
الجواب: هذه التجمعات خطوةً مرحليَّةً في الطريق إلى جماعة المسلمين.
لا يجب ان يعتبر الفرد انتسابه لهذه الجماعة نهاية المطاف، فهذه التجمُّعات وسائل لغايةٍ واحدةٍ تتمثَّل في جمع الكلمة وتنسيق الجهود في سبيل خدمة الأمَّة، فهي خطوةٌ مرحليَّةٌ على الطريق.
10- هل من مانع للانتماء لاكثر من جماعة؟
الجواب: لا مانع.. المهم الا يكون هناك تعارض في نظرة كل منهما تجاه موضوع اساسي ما.
لا مانع من انتماء الشخص لأكثر من كيانٍ أو هيئة، ما المانع أن يكون المسلم عضواً في جمعيَّةٍ وجماعةٍ في آنٍ واحد؟ بل ما المانع من أن يلتزم في جماعتين طالما يحقِّق ذلك الخير للفرد وللأمَّة؟ فإن حدث تعارضٌ ما يُترَك تقدير الأمر للفرد حسب ما يرى من خدمة دينه وأمَّته مع مراعاة انه ليس من المنطقي طبعا ان ينتمي المرء الى جمعيتين تحمل كل منهما نظرة سياسية مختلفة عن الاخرى فالمرء يجب ان يكون متجانسا مع نفسه.
11- هل الالتزام بقواعد الجماعة ضروري؟
الجواب: نعم ولكنه التزام اداري وليس التزاما شرعيا
هناك ضرورة لالتزام الفرد بنظم وقواعد التجمُّع الذي انتمى إليه طالما رضيه وارتضى الانتماء إليه، إذ الالتزام هنا ليس التزاماً شرعيًّا باعتباره جماعة المسلمين، ولكنَّه التزامٌ إداريٌّ تنظيميٌّ لتسيير العمل وانتظامه.
12- ما مفهوم البيعة لهذه التجمعات؟
الجواب: البيعة لا تخول الطاعة المطلقة انما تنفيذ ما اتفق عليه لمنع الضرر
البيعة التي تُعطَى لأيِّ تجمُّعٍ هي بيعة على عملٍ صالحٍ يتَّفق مع مقرَّرات الشرع؛ كفعل الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البرِّ والتقوى، والمقصد منها الالتزام بالعمل الذي تمَّ الاتفاق عليه بين الطرفين، بصرف النظر عن الأوصاف والمسمَّيات. وأمَّا إلزاميَّتها فهي لا تأخذ حكم التعاقد الملزم بين أطراف العلاقة التعاقديَّة، ولا يترتَّب عليها التزامٌ بين المتعاقدين إلا بقدر ما تسبِّبه من ضرر، فالبيعة التي تُعطَى لهذه التجمُّعات لا تخوِّل لأمرائها الحقَّ في السمع والطاعة المطلقة، وإنَّما هي بمثابة العهد أو العقد. فإن فارق الشخص تجمُّعه، وقد التزم معه بعمل، فلا شيء عليه، بشرط ألا يُخلَّ فراقه بالتزامٍ تَعهَّد به وترتَّب عليه ضرر على الطرف الآخر، شأنه تماماً كشأن المتعاقد الذي أخلَّ بتعاقده فوقع الضرر بسبب ذلك على الطرف الآخر، فلا يمكن بحالٍ إكراهه على الاستمرار في التجمُّع، أو اعتبار تحلُّله من عهده وانتمائه "خروجا" على "جماعة المسلمين".
13- هل يختلف العمل في جمعية اسلامية ما عن العمل في جمعية اخرى ما؟
الجواب: العمل لا يختلف خاصة ان كان تطوعيا
العمل ضمن جمعية اسلامية كالعمل ضمن اي جمعية تطوعية اخرى فيه التزامات بموجب القبول بشروط الانتساب ولا لزوم لطاعة مطلقة عمياء.. واما ان كان العمل مدفوعا له فيصبح الالتزام اقوى قليلا كما في حال الالتزام مع اي شركة.
14- هل يحق للمنتمي ان يختلف في الرأي مع رئيس جماعته او مع رأي الاغلبية وان يرفض تنفيذ هذا القرار؟
الجواب: يحق له ذلك طبعا ولكن عليه ان يتنحى عن منصبه ان كان وجوده يعرقل تنفيذ القرار.
- لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. وليست الاغلبية دائما على حق.. ففي حال كان الفرد مقتنعا ان قرار جماعته خطأ ديني بين وواضح فله ان يرفض تنفيذه ويدعو الى اصلاحه ..
- اما ان كان الاختلاف في موضوع اجتهادي فكري فله ايضا ان يرفضه ذلك لأن لا وصاية لفكرية لاحد عليه ولكن عليه ان يحتفظ برأيه لنفسه ولا يسعى الى اجبار الجماعة على اتباع رأيه واجتهاده..
- اما ان كان مكلفا بموجب مركزه بتطبيق هذا القرار الذي لا يعجبه فعليه ان يتنحى لان استمراره في نفس المركز سيعطل عمل الجمعية وهذا ضرر غير مقبول يلحقه بها..
15- هل من خيار اخر للعمل الجماعي؟
الجواب: اقامة صلات متوازنة مع كافة التجمعات الاسلامية
الالتزام بالطاعة لـ"جماعة المسلمين" بمفهومها العامِّ والشامل، دون الالتزام بتجمُّعٍ بعينه، مع الالتزام بالعمل للإسلام حتى ولو كان وحيدا، والاكتفاء في هذه المرحلة بإقامة صلاتٍ متوازنةٍ مع كافَّةٍ التجمُّعات الإسلاميَّة وبذل النصيحة الواجبة لأصحابها، والتعاون معهم جميعاً على ما عندهم من خير، دون الالتزام العضويِّ بأحدها إلى أن يأذن الله بتجاوز هذه الفرقة وتقام جماعة المسلمين.
16- هل يصح التعصب لزعماء هذه الجماعات؟
الجواب: لا يصح التعصب على الباطل
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : "وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معيَّن فلا ريب أن الناس يحتاجون إلى من يتلقون عنه الإيمان والقرآن ، كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتلقاه عنهم التابعون ؛ وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان ، فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه ، فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر ، ولا يتعين ذلك في شخص معيَّن ، كل من أفاد غيره إفادة دينية هو شيخه فيها ... وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك ، بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان...".
وقال أيضاً: "وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزَّب ، أي تصير حزباً ، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر به الله ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون ، لهم ما لهم ، وعليهم ما عليهم . وإن كانوا قد زادوا في ذلك ، ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل ، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله".
الفصل الثاني: اسئلة حول الدعوة الفردية
1- ما هي فوائد الدعوة الفردية؟
جواب: فطرية وبسطية وقليلة كلفة.
الدعوة الفردية هي الاصل، حيث إنها الصورة الفطرية والبسيطة والقليلة الكلفة ، والتي لا تحتاج إلى أية مواءمة ... وحين يجد المسلم مجالاً للدعوة إلى الله ـ تعالى ـ فإن عليه أن يخوض غماره ولو كان وحده ، ولا يُطلب منه أن ينتظر أحداً ؛ إنها المبادرة الفردية التي تُعدُّ بحق المقياس الدقيق لحيوية المجتمع ووعيه بأهدافه ومسؤولياته .
2- لماذا يميل البعض الى الدعوة الفردية؟
الجواب: ضعف حاسة الانضباط عنده، رغبته في الوقوف على مسافة واحدة من الناس، غياب الجمعية التي تقنعه بالانتماء اليها.
من المؤسف أن كثيراً من الجماعات تنظر إلى أولئك الناشطين بصورة فردية نظرة تشكك أو استخفاف أو استغراب ؛ لأنها ترى أن الدعوة الفردية غير ذات معنى أو قليلة الجدوى أو غير طبيعية .... وهذه النظرة بعيدة عن الصواب وعن الموضوعية ، وهي فضلاً عن أنها ليست مؤصَّلة شرعاً غيرُ ممكنة التطبيق ، حيث إن هناك كثيراً من الناس لا يصلحون للعمل الجماعي لأسباب عديدة ، منها ضعف حاسة الانضباط والانصياع لديهم ، ومنها الاعتداد الزائد بالرأي الشخصي ، ومنها الانحراف ـ أحياناً ـ في المزاج إلى ما هنالك من دواع تجعل بعض من يعمل في الحقل الدعوي يرى أن نشاطه المنفرد مناسب له . ويضاف إلى هذا أن بعض الأمراض والمشكلات التي تعاني منها بعض الجماعات تنفِّر الآخرين من التعاون معها ، أو الانضمام إليها ، بل يكون في الانضمام إليها نوع من القيود دون أدنى مقابل من التحفيز أو التوجيه.
3- هل العمل الفردي قاصر؟
الجواب: لا فمن الدعاة من خدم الاسلام اكثر من التجمعات.
يمكن للإنسان أن يمارس كثيرا من الاعمال الدعوية بنفسه دون مساعدة أحد؛ ونحن ننظر إلى الجماعات على أنها وسائل لا غايات ، فإذا كان بالإمكان أداء الواجب ونشر الخير من غيرها على الوجه المطلوب لم يكن هناك ما يدعو إلى الاستيحاش من العمل الفردي. وقد قام في تاريخنا المعاصر أشخاص كثيرون بأعمال جليلة على مستوى التنظير وعلى مستوى العمل والحركة ؛ وربما قلنا : إنَّ بعضها كان من الضخامة على نحو تعجز عنه جماعة بل جماعات! . ومجالات العمل الفردي أكثر من أن تحصى ؛ فالدرس الجيد ، والخطبة الممتازة ، والكتاب الناجح ، والصلة الفردية ببعض الأشخاص ، ومساعدة الناس على اجتياز بعض الصعوبات ، وإصلاح ذات البين ، والمنافحة عن الإسلام ، وكثير من صور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كل ذلك يمكن أن يتم بصورة فردية ، بل إن كثيراً منها لا يكون إلا كذلك.
4- هل هذه دعوة الى الاعتزال؟
الجواب: لا بل هي دعوة للتعاون
لا يعني هذا أننا ندعو أهل الخير إلى اعتزال بعضهم بعضاً والاستبداد بالرأي والسلبية ؛ فهذه سمات لا تُحمد في العامة فضلاً عن الخاصة. لا بد للداعية من التحلي بعدد من الصفات ، إلى جانب القيام بتصرفات عديدة من أجل بقاء الساحة الدعوية في حالة من التصافي والوئام ؛ كأن يحاول فهم إخوانه في الساحة من زاوية رؤيتهم لأنفسهم ، وليس من خلال رؤيته الخاصة ، وكأن يصبر على الأذى وسوء الظن والاتهامات وسوء الفهم من قبل إخوانه ؛ إذ إن كثيراً من ذلك لا ينفع معه المواقف المتوترة ، وإنما يترك للأيام لتثبت زيفه .
5- كيف يتم هذا التعاون بين العلماء؟
جواب: يجب البحث عن صيغ للتعاون مع الجماعات والافراد الموجودين في الساحة
من المشاهد المؤلمة أنك ترى الدعاة في المدينة الواحدة ، وقد أعطى كل منهم ولاءه لجماعة من الجماعات التي قد تكون خارج مدينته ، أما علاقته مع الدعاة في مدينته فهي علاقة تشاحن وتنافس! وهذا مع أن التعاون والعمل المشترك البنّاء لا يتم غالباً ، إلا مع الذين يعيشون معه في بلدة واحدة . إن فكرة تشكيل التيار الواحد ـ رغم تعدد الجماعات ـ ما زالت غائبة عن الساحة الدعوية ، إذ يسيطر على كثيرين منا مقولة : إما أن تكون معي أو نسخة مني أو تابعاً لي وإلا فأنت منافس!! مع أن اللائق بطبيعة الأعمال الدعوية ـ القائمة في أكثر الأمر على الاجتهاد ـ هو أن تكون المقولة : نُشكِّل تياراً واحداً مع احترام الخصوصيات ، ونخدم هدفاً واحداً كبيراً وإن اختلفت الوسائل والأهداف المرحلية .
الفصل الثالث: عوامل نجاح وفشل التجمعات
1 ـ ما هي صفات الهدف الذي يجب ان تنشىء الجماعة لاجله؟
الجواب: الهدف يجب ان يكون ممكن التحقيق ولكن في الوقت نفسه لا يجب ان يكون متواضعا سهلا.
تشوب علاقة العضو في الجماعة شيء من التوتر ؛ فهو يحبها ، ويرغب في الاندماج فيها ؛ لكنه في الوقت نفسه يخاف منها أن تمحو معالم شخصيته المستقلة ، وأن تعتدي على مجاله الخاص الذي لن يتطابق دائماً مع مجال الجماعة مهما بلغت درجة تفاني العضو واندماجه وفي هذه الحال فإن من أشد ما يجذب العضو نحو جماعته هو وضوح الهدف المشترك ومطابقته للمستوى الوسطي للجماعة .
ومن هنا فإن جزءاً من واجبات أية جماعة ينبغي أن ينصرف إلى جعل أهدافها دائماً حية وواضحة في ذاكرة أتباعها ، وما ذلك بالأمر السهل دائماً . لا يكفي وضوح الهدف ليكون مركز جذب لأعضاء الجماعة ، بل لا بد إلى جانب ذلك من كون الهدف مناسباً وملائماً للمستوى الوسطي للجماعة ؛ فالهدف الكبير الذي يشعر معظم أفراد الجماعة أنهم عاجزون عن تحقيقه يفقد أيضاً فاعليته في تحريكهم ورفعهم ؛ ولا يختلف الأمر في حالة كون الهدف متواضعاً ، لا يثير تحدياً للأغلبية .
2-ما مشكلة الهدف ان كان فضفاضا؟
الجواب: المشكلة انه لا يمكن قياسه عندئذ.. الافضل تقسيمه الى اهداف مرحلية واضحة.. (في الملحق موضوع عن طريقة تحديد الاهداف علميا)
كثير من الجماعات الإسلامية وضعت أهدافاً غير محددة من نحو التمكين لدين الله في الأرض ، أو كسب رضوان الله ـ تعالى ـ ، أو نشر العلم الشرعي ؛ مما هو طيب ونبيل لكنه عائم ولا يمكن قياسه . وكثير من الدعاة يريدون تغيير العالم كله دون أن يكون لهم من الأسباب والوسائل ما يغير قرية واحدة! ليس تطلع أية جماعة إلى تحقيق هدف كبير بالأمر المذموم ، لكن المطلوب آنذاك التوسل إليه بتحقيق عدد من الأهداف المرحلية المحدودة .
3-هل عندكم مثال على هذه الاهداف الفضفاضة؟
نعم.. فحين يدعو احد الدعاة الى تحقيق النهضة خلال عشرين عاما.. فهذا هدف فضفاض ولا يمكن قياسه خاصة ان لم يقسمه لاهداف مرحلية.
4- هل كبر حجم الجماعة دليل على النجاح دائماً؟
الجواب: لا طبعا لان المهم النوعية وليس الكمية
عندما تتضخم احجام الجماعة ، فإن ذلك قد يكون علامة مرض لا صحة ؛ فالأحزاب والجماعات التي تصل إلى سدة الحكم تتكاثر أعدادها بطريقة سرطانية ؛ لأن أتباعها الجدد يكونون من أهل المنافع والمغانم الذي يكثرون عند الطمع ، ويقلون عند الفزع . وربما كثر عدد جماعة ما لا لأنها الأمثل والأفضل ؛ ولكن لأنها تشكل رأس حربة المعارضة أو لأنها تطلق شعارات عريضة في الإصلاح أو لأنها (أحلى الوحشين) كما يقال في بعض الأحيان. إن من مشكلات ضخامة الحجم ضعف القدرة على التأقلم مع المتغيرات الجديدة والخوف من القرارات الجريئة التي تكون ضرورية في بعض الأحيان ؛ وذلك لأن الهمَّ الأكبر للجماعة آنذاك لا ينصرف إلى نوعية ما ينبغي عليها أن تنجزه ، وإنما إلى المحافظة على كيانها في بعض الأحيان يكون كسب الأنصار سهلاً ، ولا سيما حين تساير الجماعة المعتقدات والعادات السائدة بدل أن تصحِّحها ، بمعنى أن ثمن كثرة العدد كان فقد الوظيفة الإصلاحية التي هي المسوغ الأكبر لوجود أية جماعة .
5- ما ميزات الجماعة الصغيرة؟
الجواب: النوعية التي تحكم افرادها ولكن احيانا تكون قراراتها طائشة
يكون احساس الجماعات الصغيرة بخطورة القرارات الطائشة والحادة ضعيفاً ؛ مما يعني أن تكون الجماعة الكبرى أكثر حكمة وتعقلاً . بالمقابل حين تكون شروط القبول في الجماعة قاسية ، فإن ذلك يعني قلة الأعضاء الذين ينتسبون إليها ؛ لكن نوعيتهم تكون خاصة ومرموقة .
6 ـ متى تنضج الجماعة؟
الجواب: تنضج الجماعة عندما تتحول الأنظمة فيها إلى عادات :
تحوُّلُ كثير من الأشياء إلى عادات يكون بالغ الضرر في كثير من الأحيان وذلك كما في العبادات لكن تحول الأنظمة في حياة أية جماعة من قوانين لها طابع القسر والإكراه إلى عادات ومفهومات يتشربها الفرد ويمتثل لها يعد شيئاً ضرورياً لتماسك الجماعة وفاعليتها في أنشطتها المختلفة . حين تستطيع الجماعة رفع أعضائها إلى مستوى أدبياتها ، وحين تجعل علاقتهم بها علاقة حب وتضحية وإخلاص فإن روح العمل الجماعي تسري في كيان كل عضو ، فيعمل ويطبع وينفذ ويضحي دون قسر من شخص أو نظام ، وهذا ما يشاهده المتأمل في المجتمع المدني في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ينفذون تعاليم الإسلام دون شعور ـ في كثير من الأحيان ـ بمرتبية ما ينفذونه ، وهل هو من باب الواجب أو المستحب ...
7- هل الشورى ملزمة ام هي للاستنئاس؟
الجواب: الشورى ملزمة
لم يعد بإمكان أحد أن يقود أعضاء جماعته بعيداً عن الاعراف والمفاهيم التي أصبحت جزءاً من روح العصر ، وكان من أهم مفاهيم عصرنا اعتماد عنصر المناقشة والمشاورة في كل ما يخص الجماعة وأعضاءها ؛
وقد أجريت دراسات عديدة حول أثر المناقشة والمشاركة في إحداث تغيير معين . ولعلنا نستعرض في هذا الصدد إحدى الدراسات التي أجريت حول معرفة أهمية العوامل النفسية والاجتماعية في الإنتاج ، وذلك في أثناء إدخال آلات الحياكة الجديدة تدريجياً في أحد المصانع ، وقد قسِّم العمال إلى ثلاث مجموعات : مجموعة شرح لها استعمال الآلات ، وجرى حثهم على بذل جهدهم مع إعلامهم بأن الأنظمة الجديدة سوف تضعها الأجهزة المختصة .
أما الثانية فقد جرى أمامها عرض أسباب التغييرات التقنية الجديدة ، ثم دُعي العمال إلى تعيين مفوَّضين عنهم يساهمون مع مصلحة وسائل العمل في وضع أنظمة بعد فترة من التجربة .
أما المجموعة الثالثة فقد دعيت بكاملها إلى المساهمة في وضع الأنظمة . وقد كانت النتائج كما يلي : المجموعة الأولى أبدت تذمراً شديداً تبلور بترك اثنين من العمال العمل ، وباحتجاجات كثيرة .
أما المجموعة الثانية فقد كان سلوكها مُرضياً على الرغم من بعض القلق والمناقشات .
أما المجموعة الثالثة فكانت المعنويات فيها ممتازة ، ولم تبرز لديها أية مشكلة1 هذا كله يعني أن تعميق الشورى في صنع قرارات الجماعة ورسم سياساتها يعد أحد المرتكزات الأساسية في تنشيط الأعضاء وإثارة حماستهم وتقليل اعتراضاتهم .
8- كيف تتبلور مصداقية كل جماعة؟
الجواب: مصداقية كل جماعة تتبلور في تحويل شعاراتها إلى واقع ملموس
تطرح كل جماعة من الجماعات الإسلامية مجموعة من الأهداف والمقولات والسياسات والتوجهات التي تعكس في مجملها أولويات الجماعة وبنيتها الدعوية وتطلعاتها نحو المستقبل. وإذا نظرنا في حال أصحاب الدعوات والأحزاب والاتجاهات على مستوى العالم وجدنا أنها في جملتها تدعو إلى بعض الفضائل ـ ولو ظاهرياً ـ كما أنها تحاول أن تضفي على سياساتها قدراً من المنطقية ؛ وقد دلتنا التجربة على أنه ما من دعوة توفرت لها دعاية مناسبة إلا استطاعت اجتذاب أنصار لها ؛ لكن التحدي الذي ظل يواجه الدعوات قاطبة على مدار التاريخ هو تجسيد الأفكار والمبادىء والنظم التي تدعو إليها في حركتها اليومية ، وفي المشروعات الحضارية .
وفي هذا الصدد نجد مفارقات كثيرة في حياة كثير من الجماعات الإسلامية ، حيث إن أكثر الجماعات تدعو إلى تعميق الشورى في حياة الأمة لكن قياداتها لا تستشير قواعدها ؛ كما أنها تدعو إلى استغلال طاقات الأمة، وهي لم تستطع استغلال طاقات أفرادها الذين يمثلون الصفوة! . وهي تدعو إلى تحسين اقتصاد الأمة ، لكنها لم تستطع إقامة مشروع واحد ناجح وهكذا ... عندما تصبح المبادىء في واد والممارسة في واد آخر فإن الدعوات تستوي في نظر كثير من الناس.
9- ما هي مشكلة الترتيب الهرمي في الجماعات؟
الجواب: يجب ان يكون هذا الترتيب اداريا بحتا وليس عهد وصاية او استعباد
ان احد اهم اسباب فشل الجماعات هو ان مسؤولي الجماعة يظنون انهم اصبحوا وصاة على المنضوين تحتها يتحكمون في كل تفاصيل حياتهم حتى الشخصية منها.. في حين ان هذا التنظيم هو مجردي وسيلة ادارية بحتة لتسيير اعمال الجمعية.. يجب على الرئيس ان يتعلم التواضع مع الاشخاص الذي عين مديرا عليهم وعليه ايضا ان يستشيرهم في كل الامور.. كذلك يجب ان تكون العلاقة بينهم علاقة حوار لا علاقة اوامر من طرف واحد.. ولكم يؤلمني من تجاربي الخاصة حين انتميت الى جمعية معنية اني لم اجد لآذانا صاغية لكثير من المشاريع المهمة التي اقترحتها لأن هذه الجمعية اعتادت ان يأمر المسؤول افراد الجمعية بتنفيذ افكاره ولم تعتد تشجيع افرادها على اخذ المبادرة الذاتية والتفوق.. لذلك حاولنا الاصلاح حينما انشأنا جمعية اخرى حيث جعلنا فيها الرئاسة مداورة بين الاعضاء لتعويدهم تحمل المسؤولية .. وكذلك جعلنا الرئيس مرؤوسا في بعض لجان هذه الجمعية حتى يتعود ان يكون رئيسا ومرؤوسا لنفس الشخص.. وهذا هو الوضع المثالي فلا احد يفهم في كل شيء خاصة في عصرنا هذا.. واسطورة الرجل الكامل والموسوعي سقطت منذ زمن..
ملحق 1: مخاطر الانتماء
ان اول ما نلاحظه بخصوص الانتماء الى تيار فقهي او حزبي اسلامي معين هي المشاكل التالية والتي حاولنا ان نصيغها متدرجين من المشاكل الاقل خطورة الى الاكثر خطورة:
1- حذر الناس من المنتمي: مجرد الانتماء الى فرقة يضع حاجزا بينك وبين الناس حتى لو لم تكن متعصبا لها. وهم بالتالي يأخذون منك موقف المترقب الحذر ويفسرون كل خطوة تقوم بها نحوهم على انها محاولة لتحقيق مصلحة حزبية او حركية لا على انها خطوة محبة وصدق ناحيتهم. بينما يكون غير المنتمي اقرب الى الناس واكثر قدرة على الانخراط فيهم والتأثير عليهم لأنه منهم.
2- الانفصال الشعوري عند المنتمي: والشعور السابق من الناس لم يأت من فراغ بل ناتج من ان معظم المنتمين الى حركة او مذهب معين ينفصلون شعوريا بشكل لا ارادي عن الجماعة المسلمة ليصبحوا طريقا جديدة متميزة. فنراهم يقدمون التعامل مع المنتسب لجماعتهم حتى على اولي القربى (اذا سمعت من المنتمي لفظ "الشباب" او "الاخوة" تأكد انه يعني جماعته وحزبه) بينما يكون غير المنتمي اكثر انفتاحا على كل من يخدم المسلمين سواء كان منتميا ام لا.
3- القالب الجامد لكل منتمي: ونقصد بالقالب الجامد ان كل منتم الى حركة اسلامية له قالب لا يحيد عنه متمثلا بمجموعة العقائد او المبادىء التي صاغها هذا الحزب او المذهب. وقد يكون هذا القالب ناتجا عن قناعة تامة بالمذهب (مردها الى غياب الرأي الآخر او الى ثقة عمياء برجالات المذهب) او ناتجا عن عقدة نفسية كما هو الحال في معظم الاحيان، فالمنتمي لا يقبل ان يجاهر بخروجه عن مبدأ من مبادىء المذهب ولو لم يقتنع به لأنه يخاف انتقاد "الرفاق" (اتهامه بالخروج عن المبادىء) او انتقاد "الخصوم" (اتهامه بالتناقض كونه يخالف اسسا وضعها رموز مذهبه). وقد لا يعترف المنتمي بهذا الخوف ولكنه موجود ولو بطريقة لاواعية في وجدانه. فإذا أخذنا قضية "وجوب النقاب أم سنيته" وهي قضية فرعية ثانوية لا نجد أي فرد من الفريقين المختلفين حولها قادرا نفسيا على الخروج بموقف مخالف لجماعته ولو اقتنع بعكسه فكيف بمسائل العقائد؟؟؟. فيما يكون غير المنتمي محظوظا كونه يقدر على الاختيار بعامل الاقتناع لا بعامل الخوف او التبعية.
4- تقديم المصلحة السياسية على الدعوة: ويضاعف هذا الشعور بالتمايز عن سائر المسلمين الخوض في السياسة للفرق الاسلامية التي سلكت هذا الاتجاه. فمن جهة يتعزز الشعور المذكور في التقطة (1) عند الناس بأن المنتمين يعملون لمصلحتهم لا لمصلحة الدين مثلهم كأي حزب آخر. ومن ناحية اخرى تتضاعف العزلة الشعورية عند المنتمي المذكورة في النقطة (2) ليقدم نفسه على انه ممثل الاسلام في الانتخابات وان غيره من المسلمين لا يمثلون دينهم لمجرد انهم لا ينتمون الى تيار اسلامي معلن. وعلى فرض صحة هذا الافتراض فهذا من اهم الاخطاء الدعوية لأنه يجعل الآخر يشعل بالتعامل الفوقي معه وان علاقته معك علاقة المتلقي لا علاقة الند. اما غير المنتمي فيكون على مسافة واحدة من جميع الاطراف ويكون بالتالي اقدر على توجيه النصيحة.
5- التعصب الفكري : طبعا ستجد العديد من الفرق التي تدعي انها خرجت من الحزبية الضيقة وانها تتبع المنهج الاسلامي متمثلا بالقرآن والسنة ، ولكن حتى هذا الادعاء يصبح مع الوقت مصدرا للتمايز اذ يحل "اجتهاد الفرقة في فهم القرآن والسنة" محل " القرآن والسنة" ويصبح تفسير العالم الفلاني لنص قرآني بمثابة النص نفسه. ويتم اهمال الاجتهادات المخالفة بدعوى انها تخالف النصوص الصريحة والتي لا تكون صريحة او قطعية الا بنظر الفئة نفسها. يقول الدكتور عمر عبدالله كامل : فحتى التيار المتشدد الذي بنى وجوده على التحرر من التقليد، نجد انه اصبح يدور في فلك الاشخاص فما هو الفرق بين الالتزام الحرفي باجتهادات المذاهب الاربعة المعتمدة، والتعصب لبعض الرموز الحالية؟
6- احتكار ملكية الحق: وقد يتعاظم الشعور بالافضلية عند الفئة الاسلامية ليصل الى مرتبة "احتكار ملكية الحق" والى تقديم الفرقة نفسها على انها الفرقة الوحيدة الناجية من النار وان سائر الفرق الاسلامية هي الفرق الضالة التي وردت في الحديث المشهور " تفترق امتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار الا ملة واحدة".
7- تقديس الاشخاص: وعلى رغم اعتراف كل الفئات الاسلامية بعدم العصمة الا في حق الانبياء، لا نجدهم يطبقون هذا الكلام على رموزهم. وذلك عائد لسببين: اما لغياب أي معرفة بالآراء أو الحجج المخالفة لهذا الرمز بسبب التضييق الفكري، واما لأن الشخص مندمج عاطفيا في هذه التركيبة فلا يتقبل أي نقد -ولو كان محقا بنظره - لأي رمز من رموز المذهب الذي ينتمي اليه. فنشاهد مثلا ان بعض المنتسبين للاخوان لا يقبل ان يقال امامه بأن سيد قطب اخطأ في مسألة ما ويفهمها بأنها محاولة للنيل من حركة الاخوان المسلمين عبر التطاول على احد رموزها ويحرم الخوض في هذه المسائل على اساس ان من العيب تخطئة الاعلى مقاما. فيما يكون غير المنتمي اكثر موضوعية ويناقش القضية من منطلق شرعي لا من منطلق انتماء.
ملحق 2: كيف نحول الأحلام الى اهداف؟
1- تقسيم الطموح الى اهداف مرحلية:
فإذا كان حلمنا ان نقيم مجتمعا اسلاميا، علينا تقسيم هذا الحلم الى اهداف مرحلية: اولا اصلاح نفسي، ثانيا اصلاح اسرتي، ثالثا اصلاح المحيط الذي انتمي اليه. وكلما انجزت تقدما في هدف ما انتقلت الى الهدف الثاني وهكذا.
2- ان يكون الهدف المرحلي قابلا للقياس
ماذا يعني النجاح في اصلاح النفس؟ اذا لم تحدد هدفا ملموسا في بالك فلن تستطيع ابدا ان تصل الى معرفة ان كنت قد نجحت. فلأحدد مثلا ان انتقالي الى مرحلة اصلاح المجتمع لن يكون الا بعد ان اتوقف نهائيا عن الكبائر او اصلي الصلوات في اوقاتها... او أي هدف ملموس آخر.
3- ان يكون محددا بوقت.
كثير من الفتيات تقول اريد ان اتحجب ولكنها لا تأخذ هذا القرار ابدا، ذلك انها لم تحدد مهلة، لم تحدد حدا اقصى، لم تحدد تدرجا معينا في طريقة اللباس. لذا علنا ان نتعلم ان نحدد لاهدافنا مدة معينة: اريد ان انجز كتابا في سنة، احفظ القرآن في خمس سنين وهكذا.
4- ان يكون تحقيقه معتمدا عليك.
طموح كبير مثل اصلاح المجتمع ليس هدفا لأنه معتمد على قدرتك على التأثير في الناس، معتمد على ردة فعل الناس وعلى تجاوبهم معك ومعتمد قبل كل شيء على اعمالهم هم. الا لو كنت في مركز القرار فمن الممكن اعتباره هدفا لأنك تستطيع ان تسن القوانين وتسهر على تطبيقها. لذا ان كنت تريد ان تصلح المجتمع فالافضل ان تقسم هدفك الى مرحلتين: هدف الوصول الى موضع المسؤولية ومن ثم هدف الاصلاح.
اما ان كان هدف الوصول الى المسؤولية صعبا واقرب الى الخيال منه الى التطبيق، فلماذا لا تكتفي بهدف اكثر تواضعا مثل كتابة رؤية لطريقة اصلاح المجتمع. فجميع الحركات التي غيرت التاريخ مثل الثورة الفرنسية، الصهيونية، والبلشفية كانت افكارا في خيالات اشخاص كتبوا عنها وصاغوا نظرياتها وقيمها.
5- الا نمزج بين الاهداف والوسائل.
كنت في احد الاجتماعات لانشاء جمعية للمعلوماتيين حيث شملت المسودة بنود اهداف الجمعية : تطوير العمل المعلوماتي، اقامة معارض وندوات... فاعترض احد الحضور بأن اقامة المعارض هي وسائل لتطوير العمل المعلوماتي وليست اهدافا للجمعية. واقررنا ملاحظة الاخ. مثال آخر، وضعت فكرة مكة كولا كوسيلة للمقاطعة عبر ايجاد البديل ولكنها تحولت بنظري الى هدف في نظر منتجيها، تحولت لهدف تقدم حتى على الهدف الاساسي من هذه الفكرة الا وهي دعم القضية الفلسطينية وقد تجلى هذا حينما بدأ تسويق هذا المنتج في اسرائيل نفسها. فكيف نقاطع اميركا و نسوق في اسرائيل؟
6- الا نغرق في التفاصيل الثانوية قبل الاتفاق على المبادىء الاساسية
قبل الاسهاب في الحديث عن تقنيات أي مشروع، يجب ان نعرف ابعاده ومراميه وندرس دراسة استراتيجية كل السيناريوهات المحتملة و العوارض الجانبية والانحرافات الناجمة عن سوء فهم او سوء تطبيق المشروع.
7- تقديم دراسة علمية احصائية للموضوع
عندما يتقدم اليك أي شخص بفكرة تجارية فإنك تسارع في العادة بأن تطلب منه دراسة جدوى عن المشروع ولا تقبل بها مهما اعطاك تصورات وردية. فإذا قال لك بأن هذا المنتج جميل ورائع وسيتهافت عليه الناس، قلت له اعطني الدراسة التي تبين هذا الامر.
8- دراسة انطباق الفكرة على الواقع
قد تكون الدراسة ناجحة في زمن معين او بلد معين دون ان يعني هذا بالضرورة امكانية تطبيقها في بلد آخر دون معرفة ظروف النجاح. فنجاح فكرة تسويق المثلجات في الغابون لا يعني بالضرورة نجاحها في الاسكا.