الفكر بين النهضة والإضمحلال
الكاتب: المهند السَّبيعي(أنقر لقراءة المزيد من مقالات الكاتب)
تاريخ الإضافة: 13/01/2009 - (ميلادي)  ~  17/01/1430 - (هجري) أرسل الى صديقنسخة ملائمة للطباعة

إن المنظومة الفكرية لدى بني البشر تكبر وتصغر بحسب قرائة الشخص ومشاركته في مجالس العلم والفكر ومناقشته للأفكار ومتابعته وكذلك تصغر إن ابتعد عن هذه الدوائر لتزداد عنده المعرفة في جوانب أخرى بعيده عن الفكر والمنطق كأن يصبح علامة في النكت أو فطحلا في التبغ ومشتقاته أو زيرا للنساء أو جهبذا في السيارات.

هناك علاقة قوية ما بين العلماء و المفكرين الذين نتأثر بهم ونعجب بهم وما بين منظوماتنا الثقافية ووعينا الفكري، فإذا كنا نقرأ لشخص ما في زهور الشباب وداومنا على تنمية فكرنا ونقرأ لهذا الكاتب وذاك ونتثقف من كل كتاب، فحتما إن رجعنا له يوما من الأيام لاستسخفنا أنفسنا بأننا كنا نقرأ له. ليس لأنه شخص ضحل العلم ولكن لأن الزاوية التي ينظر منها الشخص والمنطق الذي يطلق الأحكام تغير و أصبح أكبر، ولا تنطبق هذه  القاعده على بعض العامة الذين وصفهم الرسول بالروبيضة وهم الجهله الذين يتحدثون بأمر العامة موجودون وسيستطيع المثقف أو الواعي تمييزهم عن غيرهم من المجتهدين.

مثال آخر يوضح هذه الرابطة الوثيقة: لنقل أننا ممن تستهويه الكتابة وهذا الكلام موجه فقط إلى من يكتبون من فترة لأخرى ... ألا تلاحظ معي أيها الكاتب أن جودة ما تكتبه والزخم العلمي بين طيات سطورك مرتبط إرتباط وثيقا بتنميتك لفكرك وقرائتك؟   نعم بالتأكيد فعندما يتوقف الكاتب عن الكتابة فإنه حتما قد توقف عن القرائة وأن لا أؤمن بكاتب لم تخرج حروفه نتاجا من قرائته للكتب.

إن كنا نطور أنفسنا يوميا ونقرأ من هنا وهناك فإننا بعد بضع سنين سنستصغر من كتاباتنا ولن تعجبنا كما أعجبتنا حينما كتبناها والعكس صحيح فلنقل أننا كنا نكتب وتوقفنا على الكتابة والقرائة وهنا تدخل معرفتنا الفكرية في حالة انحدار مرتبط مع الزمن، فبعد بضع سنوات قد لا نصدق بأننا كتبنا هذه الكلمات في يوم من الأيام.

كيف للجاهل أن يصبح له مكانة ليتحدث في أمر العامة؟

كنت أسأل نفسي  يوما كيف للجاهل أن يصبح له مكانة ليتحدث في أمر العامة؟ ولكن الجواب بسيط جدا ...

نلاحظ في الوقت الحاضر أن فكر الشباب الإٍسلامي ينحدر ويتجه نحو أمور تافهة وثقافته الإسلامية تنحدر بشكل متزايد مع تقدم الزمن وبدلا من أن تجده يفقه بأحوال العلماء والمفكرين تجده يتتبع ويقتنص أخبار المغنين والفنانين والرياضين ويعلم عنهم كل صغيرة وكبيرة. فهنا من السهل جدا أن من يستطيع تركيب بعض الجمل على بعضها ويحفظ بعضا من الأحاديث والآيات وهو جاهل بتفسيرها ومعانيها جاهل بأسباب قولها أو نزولها سيقف بكل سهولة ليستقطب كما ضخما ممن هم أجهل منه. 

وحتى اللحظة هناك من ينبهر بمجموع الكلمات التي يراها هاهنا في المقال وآخرون يرونها جدا عادية حسب المحصول الفكري في حقلهم ( عقلهم ).

 كيف انحدر الفكر العربي والإسلامي؟  

إن رجع بعضنا لكتب التاريخ فلن يخفى عليه القفزة الحضارية في الإسلام من نشأته في أيام الجاهلية وحتى أزدهاره بالفتوحات وعهد الخلفاء الراشدين وكيف بدأ بالهبوط تدريجيا ثم بسرعه عندما أصبحت توجهات الناس نحو أمور دنيوية بحته وهذا ما نراه اليوم فكيف نصرخ بإعادة المجد دون المضي قدما بإعادة التاريخ والسير بدورة حياة الإسلام كما بدأت، كيف لنا أن نطالب بهذا وقد كان طلاب العلم عند عالم واحد يساوي عدد المتفرجين في ملعب كرة قدم في يومنا هذا !! كيف لنا أن نطالب بإثقال وزن وقيمة أمتنا بين الأمم الأخرى وأغلبنا قد تهمشت هويته الإسلامية فتجده يقلد الغرب في كل فعل وفي كل لباس وفي كل أكل وصدق من قال ولئن دخلوا جحر ضب لدخلتموه ...

يا ترى ماذا سيكون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم لو رأى حالنا لو رأى تدميرنا لحضارة دفع سنين عمره لبنائها؟ هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى نقاش وتنظير ومن ثم تحتاج إلى الدخول في مرحلة تطبيق عملي.

النهضة الفكرية

نحن بحاجة إلى أن ننهض بالأمة جمعاء ويكفينا عبرة كتب التاريخ ودورة حياة الإسلام، يقوم بعض المفكرين المعاصرين بالتدمير بدلا من الإحياء فهم يطالبون بأشياء ضخمه (نعم كان المسلمون قد برعوا فيها منذ القدم) ولكن نسى كثير من هؤلاء المفكرين أننا قد انحدرنا أيضا ونحتاج إلى ما يسمى بإعادة التأهيل.

فمن السهل أن تطلب من إبنك البالغ أن يحضر لك كأس ماء ولكن من المستحيل أن يتحقق ذلك مع إبنك الذي يحبو على ركبه ... وهذا ما أراه في حالنا بين الأمم الأخرى.

الشخصية الإسلامية بحاجة إلى تجديد:

نحن نتدحرج نحو هاوية من اللاوعي من حيث لا ندري ويتمتع الغرب بهذه الحال التي نحن بها، فبدلا من أن ينفق الملايين على الإستعمار، إستخدم شيئا جديدا وهو ( الإستعمار عن بعد ) وبمسمى آخر الغزو الفكري.

نلاحظ في أيامنا هذه  أن شخصية الشاب المسلم الغير واعي تنقسم بين قسمين أوسطهم من رحم ربي،

الأول الذي لا يقرأ مهمش الهويه ضائع يشبه منخل الشباك يمر الهواء من خلاله بكل سهوله على فرض أن الهواء هو أفكار ومعتقدات وعادات الحضارات الأخرى.

والثاني يقرأ ما لا يفيد لا تفارق عيناه النظرة السوداء، منغلق على نفسه وقابل للتطرف في أي لحظة مما رأه من واقع أليم لا يوجد بنظره حلولا لمشاكله، فتراه يجلس في قوقعة ويغلق على عقله بصندوق ويبقى يفكر ضمن أطر ضيقة وشغله الشاغل نظرية المؤامرة على أن كل العالم متآمر ضده وتكون نهايته على يد أحد الدعاة إلى أبواب جهنم.

بعض من الأشياء التي ستنهض بفكر أمتنا:

1-     القرائة: أفيض أسفا عندما أقرأ بعض الأحصائيات لأمة إقرأ ومعدلات القرائة في الدول العربية وأول آية نزلت بالقرآن هي إقرأ ... لا يمكننا أن ننكر معدلات القرائة التي تعلنها سنويا المنظمات الإحصائية العالمية ليس لطعن في مصداقيتها ولكن لأنه كان مؤشرا رئيسيا برأي الخبراء ورابطا وثيقا يرتبط بتطور بعض الدول وقيادتها للعالم،

إن الأمة العربية (أمة إقرأ) في أزمة وفي هوة تتسع مع الوقت بسبب هجرها للقرائة وهي مشكلة تبدأ بالأمهات ثم المدرسين والمدارس نهايتا بالجامعات كل ممن ذكرتهم له وزر كبير في هذا الناتج المشين. 

2-     مجالسة الصالحين: إن في مجالسة الصالحين خير كثير، ولا أقصد ممن يدعون الصلاح فعليك أن تميز لأنه في هذا الأيام أصبح من يصلي فروضه الخمسه متدينا وصالحا ونظرة الناس قد أصبحت كذلك بسبب انحدار العبودية عندهم، في مجالسة الصالحين خير كثير ودافع ومحفز للغيرة على الأمة ولأحياء ضمائر باتت نائمة لزمان طويل.

3-     البدء بالتغير: كل منا يحمل أباه أو جده وزر ما يحصل له، لربما كانوا سببا ولكن بدل من أن تبقى تتذمر من أجدادك تذكر أنك سترزق بأولاد وسيلعنوك كما لعنتهم فلنترك التذمر ولنبدأ بالتغيير.

4-     أزمة التطبيق: علينا أن نطبق ونسلك منهج الصحابة في تعلمهم فكانوا كلما تعلموا شيئا طبقوه فإذا رسخ بدأوا يعلموا به وذهبوا ليتعلموا شيئا آخر، فنحن في زماننا الحاضر لدينا إكتفاء على المستوى العالمي الإسلامي من ناحية التنظير ولكن لدينا شح كبير جدا من ناحية التطبيق، وكلا الأمران يكمل الآخر ويصنع التوازن بينهم، ولكن وجود شيئ من دون الآخر لا يفيد بشئ.

5-     أزمة تعليم: بات جليا لكل العالم أن لدينا أزمة في النظم التربوية والتعليمة في بلادنا العربية تحديدا ناهيك عن النسب الضخمه التي لا تدخل للمدارس أيضا، ولا أعرف لماذا لا تتحرك الجهات المسئولة بتطوير ذلك، لذلك علينا كشباب مسلمين تحديدا أن لا ننتظر من التعليم أن يعطينا ما نحن بحاجة إليه، فلدينا كوادر وعلماء كثر لا يحتاجوا من يتبنوهم ولكن بالتأكيد إن وجدوا طلاب علم حقيقيون لا طلاب درجات أو شهادات لارتقوا كثير بنا وبالأمة.

6-     أزمة تعايش: وبهذه النقطة أحببت أن أختم مقالي، فإن كان قدواتنا المعاصرين لديهم أزمة في التعايش ويضعوننا في حالة من الحيرة والتخبط بتخالفهم فكيف لنا نحن عامة الناس أن نتفاهم، علينا أن نستوعب بأننا إن لم نتحد فلن ننجح وأنا لا أعني بالإتحاد على نطاق دولي بل حتى على نطاق أسري صغير. فياحبذا لو أرى اليوم أصحاب المدارس الفكرية المختلفه يجتمعون في مجلس واحد. هل هذا مستحيل؟ بالتأكيد لا.

وتطول القائمة، ولكن الأمل موجود ... علينا أن نبدأ بالتغير ورياح التغير تبدأ من بيننا نحن معشر الشباب فإن لم يستطع أهلنا أن يصنعوا شيئا لنا وإن لم يكونوا لنا قدوات بتصرفاتهم وأنماط معيشتهم وتربيتهم فلنبدأ بأنفسنا لنكون على الأقل القدوة الأمثل لأطفالنا ولنجعلهم حجر الأساس لأحياء هذه الأمة.

أكتفي بهذا القدر والله أعلم والله ولي التوفيق.

 

تعليق  من  براء بيطار   (14/01/2009 @ 09:10:21 AM)

الموضوع مهم جدا وشيق جدا واشكرك اخي العزيز على اسلوبك المميز في جذب القارئ

تعليق  من  Ayham Albizreh  (14/01/2009 @ 11:29:33 PM)

يقوم بعض المفكرين المعاصرين بالتدمير بدلا من الإحياء فهم يطالبون بأشياء ضخمه (نعم كان المسلمون قد برعوا فيها منذ القدم) ولكن نسى كثير من هؤلاء المفكرين أننا قد انحدرنا أيضا ونحتاج إلى ما يسمى بإعادة التأهيل. this is what i refer to as "constructive critisism" rather than destructive critisism that happens to be a tool often used by our scholar. please forgive me for not being able to type in arabic (atleast for now). regards.

تعليق  من  المهند السبيعي  (31/01/2009 @ 08:19:45 AM)

الأخ أيهم وبراء أشكر لكم مروركم وأؤكد على مسألة إعادة التأهيل أنها أمر مهم جدا ولربما كانت أفضل مساهمة من أي عالم أو داعية لهذا العصر أن يقدم منهجا تطبيقيا بلمسة معاصرة لهذا الزمن لإعادة تأهيل الأمة ... فنحن الآن اقتربنا كثير من الجاهلية وكأننا بحاجة إلى رسول جديد وما نحن إلى بحاجة إلا بإعادة تطبيق ما فعله الصحابة بأساليب جديدة.

الاسم: (*)
البريد الإلكتروني: (*) (لن يتم عرضه للزوار)
نص التعليق: (*)
 
الرجاء أدخال
الكلمات التالية:
(*)


 
ألرجاء أدخال المعلومات الاتية - (*)