"موسوعة جرح النكبة"
الكاتب: د. إبراهيم أبو جابر(أنقر لقراءة المزيد من مقالات الكاتب)
تاريخ الإضافة: 09/03/2010 - (ميلادي)  ~  24/03/1431 - (هجري) أرسل الى صديقنسخة ملائمة للطباعة

"موسوعة جرح النكبة"

مشروع إحياء الذاكرة الفلسطينية

ودوره في حفظ الرواية الفلسطينية !!!

مقدمة:

نكبة فلسطين حدث فريد من نوعه في التاريخ الحديث، فقد غزت أقلية أجنبية مهاجرة أرض الأغلبية الوطنية، وطردتهم منها واستولت على ارضهم وأملاكهم وازالت آثارهم الحضارية والتاريخية، كل ذلك بتخطيط مسبق، ودعم مالي وعسكري وسياسي من الخارج، امتد على مدار قرن من الزمان.

ولهذا جاءت اهمية تدوين التاريخ الشفوي للشعب الفلسطيني لإعادة التوازن لعملية كتابة التاريخ والاهتمام بذاكرته. فالكل يعلم ان القوي المنتصر هو من يدوّن التاريخ في العادة (وهو في هذه الحالة اسرائيل) وفقاً لوجهة نظره ونسج خياله مسجلاً للأحداث التاريخية بطريقة تخدم مصالحه، وبالتالي يتحوّل الخيال الى حقيقة وتصبح الأكذوبة واقعاً مسلماً به.

ومن هنا أيضاً برزت ضرورة التاريخ الشفوي، لأن الاهتمام بهذا التاريخ المنثور وجمعه وتدوينه يساهم في تسجيل الأحداث حسب واقعها الفعلي، مما يكفل توثيق هذه الأحداث وأرشفتها والحفاظ عليها لتستفيد منها الأجيال القادمة، وتعتمد كمصدر موثوق للباحثين والمؤرخين.

ورغم ان التاريخ الشفوي ضرورة، لكنه لا يغني عن الوثائق المكتوبة، حيث لا يمكن اعتبار التاريخ الشفوي أو الشهادة الشفوية بحد ذاتها تاريخاً، وانما هي صورة حيّة توضح مدى المصداقية في كثير من الأحداث المدونّة في الكتب والمراجع التاريخية.

وتظهر اهمية الشهادة الشفوية عند غياب الوثائق المتصلة بالحدث او المعلومة، أو عند تفسير الحدث من قبل شخص أو أشخاص عاصروه، أو ساهموا في صناعته أو كان لهم دور في القيام به. فعند غياب الوثائق عن الحدث او عندما لا تعطي الوثيقة الجواب الشافي، فانه لمن الضروري جمع شهادات عدد من الاشخاص الذين شاركوا فيه أو عاصروه، وهذا حال الشعب الفلسطيني وما لحق به في احداث نكبة عام 48.

وبالمناسبة لا بد من التأكيد على أن التاريخ الشفوي ليس بديلاً عن التاريخ المكتوب او الوثيقة، ولا يعمل منعزلاً عنهما في الوقت ذاته، وانما جانب الاهتمام به يأتي من باب النقاط الثلاث التالية:

        أولاً: يصلِّح، يؤكد أو ينفي معلومة أو حدث ما قد يكون مكتوباً في الرواية الرسمية، مثلما هو الحال في عمليات تهجير سكان قرى مثلث حيفا، وارتكاب العصابات الصهيونية لمجازر في النقب مثلاً، أو قرى الجليل النائية شمالاً، وحالات النهب والسلب والاعتداء على الأعراض من قبل العصابات المذكورة.    

       ثانياً: اضافة التاريخ الشفوي تفاصيل هامة أو أبعادا لأحداث ذكرت في مراجع رسمية، فإن كانت الكتب أو الوثائق تذكر معركة/أو مجزرة ما في زمانها ومكانها وأعداد قتلاها وجرحاها، فإن التاريخ الشفوي يضيف لها، كيف حصلت؟ ومن خطط لها؟ الخ...  وهذا ما يمكن أن يندرج مثلاً على مجزرة دير ياسن الشهيرة وغيرها من المجازر عام 48 وبعدها.

     ثالثاً: قد يعطي التاريخ الشفوي معلومة جديدة لم تذكر في صفحات الكتب؛ وهذا كثير جداً، لأن الروايات الشفوية تعتمد في الدرجة الأولى على شهود العيان الذين عايشوا الحدث، ولذا فرواياتهم أدق في الوصف واكثر غزارة في المعلومات التي يعجز المؤرخ عن الإلمام بها، لأنه يتعامل مع وثائق ومستندات وكتب قرطاسية. الجانب هذا يمكن ملاحظته في وصف شهود العيان لمجزرة الطنطورة مثلاً وعيلبون والدوايمة وعرب العزازمة وغيرها.

 

  مشاريع التاريخ الشفوي الفلسطيني:

تعرض الباحثون الفلسطينيون والأجانب للتاريخ الشفوي الفلسطيني منذ ما يقارب ثلاثة عقود ونيّف، وجاءت وفق المراحل التالية:

المرحلة الأولى:   

هي مرحلة الانتداب والنكبة عام 1948، ومن أبرز الشخصيات المهتمة: عارف العارف، أكرم زعيتر، محمد عزت دروزه ومصطفى مراد الدباغ وغيرهم كثير.  

المرحلة الثانية:    

بدأت منذ أواخر الستينات حتى نهاية السبعينات، وغلب عليها الطابع الأكاديمي الفردي، من شخصياتها:

الدكتورة بيان نويهض الحوت، الدكتور نافع نزال، الدكتورة "روزماري صايغ" والدكتورة "جولي بينيت" .

المرحله الثالثة:

مرحلة  الثمانينات فلم يعد الدافع أكاديمياً فقط وانما وطنياً وسياسياً، ومن امثلة ذلك ما أقدمت عليه د. بيان الحوت هذا وساهمتا كل من روزماري صايغ أيضاً وجولي بينيت بين عامي 1980 و1982 ،

د.وليد الخالدي يحيى عادل، عبد الهادي فيحاء، ود.منير فاشية، ود. محمود ابرهيم.

المرحلة الرابعة:

مرحلة الاهتمام بالرواية الشفوية بلون جديد في مجال التاريخ الشفوي، مثل:رشيد الخالدي، جوني منصور، مصطفى كبها، مصطفى عباسي، جميل عرفات، مصطفى بدران، وديع عواوده، عبد الله التل (د. ابراهيم ابوجابر)وآخرين.

 

 

دوافع مشروع إحياء الذاكرة الفلسطينية:

1- رواج الرواية الإسرائيلية للنكبة:  

      كانت إحدى آثار ونتائج ما حصل في العام 1948م، ما ارتكبته العصابات الصهيونية من جرائم ومجازر وحشية ضد أبناء الشعب الفلسطيني، والتي أدت الى تشريد أكثر من 750 الفاً وإجبارهم على الرحيل عن أرضهم ووطنهم، ومن ثم تدمير ثقافتهم وإرثهم الحضاري، ولقد كان أثر ذلك قوياً وملموساً على المسيرة التاريخية والحضارية والثقافة للفلسطينيين.

تعتمد الرواية الاسرائيلية عن النكبة، وعن تاريخ استيلاء الصهيونية على فلسطين عموماً، على اكبر مجموعة من الأكاذيب والتضليلات التي اعتمدت عليها  المشروعات  الاستعمارية الاستيطانية منذ القرن التاسع عشر. فنحن لا نجد هذه الكمية المفبركة من الأكاذيب، لا نوعاً ولا عدداً، في استعمار هولندا لجنوب أفريقيا، ولا البرتغال لجوا الهندية، ولا هولندا لاندونيسيا ولا فرنسا للمغرب العربي ولا اسبانيا ولا أمريكا للقارة الأمريكية.

وقد يبدو هذا عجيباً حقاً في عصر انتشرت فيه المعرفة وتنتشر بشكل متزايد. ويكفي أن نستعرض بعض المقولات الصهيونية لندل على ذلك: فلسطين أرض بل شعب، لا يوجد شيء اسمه الفلسطينيون، اللاجئون خرجوا طوعاً أو بأوامر عربية رغم إصرارنا على بقائهم، اليهود الصهاينة كانوا قلة مستضعفة أمام جيش عرمرم من العرب الغزاة عام 1948، احتلالنا هو أعظم احتلال "انساني" بعد الحرب العالمية الثانية ... الخ.

لكن هذا ليس عجيباً إذا تذكرنا أن الصهيونية بحاجة إلى كل هذه الأكاذيب لأنها لا تملك على الإطلاق واقعاً أو حقاً لا جدل فيه يمكن ان تعتمد عليه. فلسطين ما قبل 1917 لم يكن لليهود فيها وجود يذكر. فعددهم لم يتجاوز 9%  من السكان وتأثيرهم لم يتجاوز أي جالية أخرى عاشت بسلام في فلسطين، وملكيتهم في الأراضي لم تتجاوز 2% من فلسطين.

ومن هنا نشأت الحاجة إلى البحث عن مبررات جديدة للاستيلاء على فلسطين مثل الالتجاء الى العهد الجديد والعهد القديم لربط كلمة إسرائيل القديمة بدولة اسرائيل الحديثة، وإغراء الدول الاستعمارية الأوروبية بان الصهيونية ستكون خادم الاستعمار ووسيلة التخلص من اليهود الأوروبيين.

أما تاريخ النكبة فهو بالنسبة لهم تاريخ انتصار الشعب المضطهد المناضل، صغير العدد كبير العزيمة على جيوش العرب البرابرة الذين غزوا أرض اسرائيل للقضاء على الوليد الصغير. وهكذا تفبرك تاريخ حرب فلسطين على نسق الرواية الإسرائيلية.

وتأييداً لذلك صدرت عشرات الكتب والروايات والافلام تردد هذه الرواية وتطمس غيرها، حتى أصبح الاعتراض على هذا التزوير ولو جزئياً مروقاً يشبه الهرطقة ضد الكنيسة الاوروبية في العصور الوسطى.

ولكن بعد مرور 30 عاماً او يزيد على الاستيلاء على فلسطين، شعر الاسرائيليون أن الواقع الذي خلقوه واعتراف الغرب بهم أصبح شرعياً بمجرد حدوثه. ولذلك فُتحت بعض الملفات الاسرائيلية (باستثناء جرائم الحرب) مما دعا الى ظهور مراجعات جديدة للتاريخ الصهيوني عام 1948 على يد من أطلق عليهم اسم "المؤرخين الجدد".

وباستثناء ايلان بابيه، فإنه لم يتخل أحد من هؤلاء المؤرخين الإسرائيليين عن صهيونيته. فكل يريد اكتساب صدقية نابعة من البحث عن الحقيقة (التي وجدها في الملفات الإسرائيلية مؤخراً)، ولكنه لا يريد أن يدفع الثمن القانوني والأخلاقي لجريمة النكبة التي إن لم يشارك فيها لصغر سنه، فهو استفاد من مكاسبها، بيتاً وارضاً وهوية، على حساب الضحية الذي فقد كل هذه، لكن لم يفقد ملكية الحق ولا النية في استرجاعه.

وبني موريس مثال فريد يدل على ذلك. فهو صحفي تحول الى مسجل للحوادث (Chronologist) ومنه اكتسب صفة المؤرخ. لكنه لم يتعلم من التاريخ، فهو يسجله دون أي ندم عليه، وذلك لانه صهيوني ويعترف بأنه ما زال كذلك حتى بعد اكتشافه للتاريخ الإجرامي للصهيونية. وهو يعتب على بن غوريون لانه لم يقض على البقية الباقية من الفلسطينيين الذين بقوا في ديارهم.

هذه الرواية الإسرائيلية بأكملها تتساقط  يوماً بعد يوم، قطعة بعد قطعة، امام الجمهور الغربي، المؤيد والجاهل، لكنها لا تزال رواية سائدة في اذهان الكثيرين. وحتى اولئك الذين اكتشفوا زيفها يعتقدون أن هذا زمان مضى، ولا مجال للبحث فيه. لكن هذا الرأي بعيد عن الواقع بُعد الرواية الإسرائيلية عن الحقيقة.[1]

2-  تهميش الرواية الفلسطينية للنكبة:

      أقدمت العصابات الصهيونية ومن ثم الجيش الاسرائيلي وأذرعه المختلفة وحتى بعض المؤسسات اليهودية على تدمير ونهب معظم الإرث الثقافي والقانوني المكتوب للشعب الفلسطيني مثل: أرشيف جيش الجهاد المقدس، سجلات وملفات الأملاك والأراضي، المكتبات العامة والخاصة، الصحافة المطبوعة وأرشيفها، سجلات المستشفيات والمدارس والمعاهد، بيانات وأرشيفات الأحزاب السياسية الفلسطينية واللجان القومية، الأوراق الشخصية والمذكرات لكبار المثقفين والكتاب السياسيين، وغير ذلك من المخطوطات والوثائق والمستندات الهامة.

      هكذا كانت المأساة، وكانت النكبة والنزوح، رحّل الناس وهجّروا وفي صدورهم وقلوبهم وعقولهم بقيت فلسطين بتاريخها وتراثها وجغرافيتها، اصبحت فلسطين منقوشة في ذاكرة  الفلسطينيين، فاستفردت اسرائيل برواية (النكبة) ما حصل في العام 48 وفق رؤيتها الخاصة والمزورة.[2]

      

3-  شح المصادر الأولية الخاصة بالنكبة:

      ذكر سالفاً أن العصابات الصهيونية والجيش الاسرائيلي وباقي الأذرع الأمنية وحتى المدنية أتلفت الأرشيفات والسجلات والمستندات والوثائق المتعلقة بالشعب الفلسطيني، في محاولة منها لطمس هويته والقضاء على موروثه الثقافي والحضاري، ولهذا جاءت الرواية الفلسطينية غير كاملة وقاصرة في وصف كثير من جوانب المسيرة الفلسطينية، وعليه فهناك ثلاثة مصادر إضافية هامة يمكن الاستفادة منها في سد جوانب العجز في الرواية الفلسطينية.

              المصدر/1: اللجنة الدولية للصليب الأحمر

              المصدر/2: لجنة مراقبي الهدنة

             المصدر/3: أرشيف جمعية خدمات الأصدقاء الأمريكية (AFSC) /الكويكرز

4- وفاة الكثير من جيل النكبة:

5- تدوين فصل هام من تاريخ الشعب الفلسطيني:

 

معوقات المشروع:

واجه المشروع العديد من المعوّقات منها له علاقة بالسلطة وآخر بالانسان الفلسطيني نفسه وآخر بالأنظمة العربية الاقليمية ، ولعل ما يلي من معوقات عامة تضع النقاط على الحروف حول اهمها:

(1)               نهب وحرق اسرائيل للوثائق والأرشيفات الفلسطينية، كما ذكر منذ زمن الانتداب والفترة العثمانية.

(2)      حالة تشرّد الشعب الفلسطيني في غالبية دول العالم حتى ان الأسرة الواحدة تفرق أفرادها في اكثر من قطر ومنهم الى اليوم لم يعرف الواحد منهم الآخر في أي بلد هو. 

   

    (3)     مواصلة مسلسل النكبة.

4-هم التحرير طغى على الناحية التاريخية والعلمية، فالشعب الفلسطيني لم يسترح من هموم النكبة وما لحق بها، واذا به يدخل مرحلة جديدة وهي مرحلة الانبعاث الوطني – الثوري والسعي نحو بعث روح التحرير في صفوف الشباب وحشد الطاقات في سبيل ذلك .

  

أهداف المشروع:

للمشروع مجموعة أهداف حقيقية من اهمها:

1-       تدوين مرحلة تاريخية هامة من تاريخ الشعب الفلسطيني، غيّبت للنكبة التي وأدت اولاً حلم الفلسطينيين في إقامة دولتهم السيادية ومشروعهم الوطني، وأقيم كيان آخر مكانه غريب في المنطقة.

2-       محاولة للكشف عن جرائم العصابات الصهيونية والجيش الاسرائيلي التي ارتكبت وما أكثرها ولم تكتشف وبقيت طي الكتمان، حتى إن كثيراً من الفلسطينيين تخوفوا لسنوات طوال للحديث عنها إما من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أو على مصالحهم الذاتية. 

3-       التعرّف على دور الشعب الفلسطيني الصحيح إبان أحداث النكبة، هل فعلاً هو من فرّ وهرب بمحض ارادته؟ أم مورست ضده أبشع أنواع الممارسات وارتكبت في حقه المجازر؟ وهل جافع عن وطنه وما مدى مصداقية ذلك؟!

4-       التعرّف على دور الدول العربية والجيوش العربية تحديداً في الدفاع عن فلسطين، وهل حصلت خيانات فعلاً في صفوفه؟ ولماذا لم يرتق الى مستوى الحدث والمواجهة مع عصابات صهيونية غير منظمة؟ وهل فعلاً كان للحساسيات العربية – العربية دور لهزيمة الجيوش العربية؟

5-       كشف عورة الانجليز من خلال التأكيد على موقفهم المنحاز مع اليهود وتواطؤهم الواضح معهم، من خلال التنسيق الثنائي والمشترك بين الطرفين، وغض الطرف عن تهريب السلاح من الخارج والهجرة السرية مروراً مع تزويدهم رسمياً للعصابات الصهيونية وتسليحها والوقوف دفاعاً عن الأحياء اليهودية أمام المجاهدين الفلسطينيين والعرب، وتسليمهم مفاتيح البلاد من موانئ ومطارات ومؤسسات للعصابات الصهيونية عام 48.

6-       التأكيد على ان ضياع فلسطين كان ثمرة مؤامرة دولية وإقليمية، شاركت فيها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يومها، ودول عربية أو قادة عرب كانت تربطهم شبكة مصالح مع قادة الحركة الصهيونية وبريطانيا، الدولة الاستعمارية الأولى في العالم حينها.      

 

 

وسائل نجاح المشروع:

ساعدت عدة عوامل على نجاح مشروع "إحياء الذاكرة الفلسطينية" وإمكانية رواجها مستقبلاً واعتمادها كمصدر اساسي وأولي للأكاديميين والمؤرخين.

هذا ومن جملة العوامل المذكورة ما يلي:

1-       جمع آلاف الشهادات لشهود عيان من رجال ونساء ومن جميع المناطق (فلسطين 48، الضفة الغربية وقطاع غزة، الأردن، سوريا، لبنان والمنافي). الشهادات هذه مرّت بمرحلة فحص ومراجعة معلوماتية ولغوية وقانونية في الأخير، واختيرت منها تلك التي استوفت الشروط والمعايير التي حددتها اللجنة المختصة والمشرفة على المشروع.

2-       توثيق ورصد أسماء الشهداء والمفقودين من الفلسطينيين في الدرجة الأولى مع الحرص على مقارنة روايات مختلفة لشهود عيان، جمعت ووضعت على شكل قوائم منظمة في نهاية كل مجزرة أو حادثة، وسيتم أخيراً جمعها في جزء خاص او اكثر منفرداً، بحيث يسهل الرجوع اليها، لكل من يريد البحث عن قريب مفقود أو اولئك من طلبة العلم والدارسين.

3-       تدوين معاناة الناس خلال النكبة وما تلاها من أحداث، أي إن الشهادات عادة لم تأت لوصف أحداث مجزرة ما فقط وانما يلقي الشاهد/الراوي الضوء على الوضع العام وظروف معيشة الناس وحالتهم العامة ومصادر رزقهم.

4-       الاستفادة من المصادر والمراجع التي تطرقت لموضوع المشروع مع توثيق كل ما تم اقتباسه من باب الأمانة العلمية وحقوق الآخرين. هذه الاقتباسات لم تأخذ حيزاً كبيراً في المشروع وانما أحياناً ما يتم من باب الاستئناس أو ملء فراغ ما أو دعم معلومة أو حدث.

5-       الكادر المهني المتخصص من الباحثين الميدانيين الذين دأب المركز على إعداده والإشراف عليه وتزويده بكل آليات ووسائل البحث. هذا الطاقم انتشر في مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة والاردن وسوريا ولبنان. هذا الكادر كما أشرنا سابقاً عانى الكثير في سبيل الوصول للعينات وتوصيل المعلومة وبالذات فترة الاجتياحات والاغلاق وقطع وسائل الاتصال والطاقة الكهربائية عن أراضي السلطة الفلسطينية.

6-       النجاح في التوصل الى اتفاق مع أحد المراكز في العالم العربي لطباعة الموسوعة وتوزيعها في الدول العربية، وقد بوشر العمل عليه، وتوزع أجزاء من المشروع في كافة البلدان العربية، وسيعود ذلك بالنفع العلمي على المركز وعلى القراء، مذكرين أنه ستتم طباعته ونشره في آخر المطاف على شكل موسوعة كما ذكر متكاملة.

 

نتائج المشروع:

توصل القائمون على المشروع للكثير من النتائج والاستنتاجات الهامة والتي من المفروض متابعتها من قبل مؤسسات حقوقية أو  أية جهة مهتمة بهذا الجانب، لأن أحد أهداف تسجيل تاريخ النكبة استخدامه كوسيلة للتخطيط المستقبلي لكيفية استعادة الحقوق والمساءلة عما ارتكب أثناء وبعد النكبة (المستمرة)، وبالذات جرائم الحرب والمجازر والاعتداء على الأعراض وتدمير المكان وطرد المدنيين واستغلالهم، وتوثيق الملكية الفردية والجماعية، والعمل على وضع أفضل الخطط لتطبيق حق العودة.

وعليه فقد تم التوصل من خلال هذا المشروع الكبير الى جملة من النتائج مع التركيز على إثباتها بالأدلة من خلال روايات شهود العيان أو المصادر التي وثقت فصولاً من مسيرة الشعب الفلسطيني اثناء وبعد النكبة عام 48.

      1- إثبات أتباع إسرائيل/ والعصابات الصهيونية سياسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني وطمس الهوية العربية – الفلسطينية للبلاد؛ وقد ذكر الضابط "فان فاسن هوفي" ، عضو لجنة – مراقب الأمم المتحدة في شهادة له حول أحد الأحداث الدالة تماماً على مخطط التطهير العرقي في معرض وصفه لما حصل من مجزرة رهيبة لقرية الدوايمة:" إن الدخان (كان) يتصاعد من منازل عدة... وخرجت من بعضها رائحة غريبة، وكأن بداخلها عظام تحترق"، وعندما كان يسير بين البيوت المحروقة، وتلك التي لا تزال تحترق سمعهم يتحدثون عن تفجير منزل عربي من منازل القرية المنكوبة، وعند سؤاله لهم عن السبب أجابوه:"المنزل يضم حشرات طفيلية وسامة ولذلك سنقوم بنسفه". (جرح النكبة ج:1 ، ص:114)

وفي "سلمه" قال بعض أهلها في سياق استعراضهم لاحداث عام 48:" دخلوا علينا بالمصفحات العسكرية، وأخذوا في اطلاق النار بكثافة ثم باشروا في حرق أغراضنا، ثم قالوا لنا هيا اخرجوا، اهربوا، وأخذوا في قتل المواشي (الحلال) بإطلاق النار عليها ... ثم جاؤونا مرة اخرى فأخذوا بهدم بيوتنا وقتل شبابنا ". (جرح النكبة، ج:1، ص 180 -181)

 هذا وللعلم فقط، فهناك حالات كثيرة لا تحصى من مشاهد في مختلف أجزاء الموسوعة يتحدث خلالها شهود عيان عن سياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وطمس هوية المكان.      

      2-  إثبات ارتكاب اسرائيل لمجازر جماعية وجرائم حرب، ولعل ذلك من ابرز ما ثبت بالأدلة القطعيّة والروايات المتواترة. فالمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية والجيش الاسرائيلي لاحقاً تعد بالعشرات  ان لم يكن بالمئات سواءاً في مرحلة النكبة (48) أو في المراحل التالية من المسيرة التاريخية للشعب الفلسطيني أي الخمسينات أو الستينات وعلى مستوى مخيمات اللجوء في لبنان.     

يقول أحد الشهود (أحمد علي احمد جزار) في وصفه الحي لمجزرة من المجازر التي ارتكبها اليهود في مدينة اللد:" ... إن دماء العرب صارت تجري مثل النهر الجاري، وجثثهم مثل أكوام الحصير.. كانوا يجمعون الشهداء ويضعونهم فوق بعضهم البعض من كثرة الشهداء (كثرتهم) لم يميزوا بين الصغير والكبير، ويقتلون من رأوه (أمامهم) من رجل وامرأة وطفل وختيار (كبير سن)" . (جرح النكبة، ج:1، ص:375)

ويروي شاهد آخر (فوزي محمود طنجي) ما شاهده وعاناه على جلده في الطنطورة قريته فيصف مجزرتها الرهيبة، فيقول:" ... لقد قتلوا أبناء عائلتي وأصدقائي امام عيني...، أخذونا الى مقبرة القرية، ثم وضعونا في صفوف، ثم جاء القائد اليهودي، وقال لجنوده خذوا عشرة، ثم اختاروا عشرة آخرين، ثم عادوا مرة ثالثة، حيث قاموا بدفن القتلى، ثم قتلوهم وتكرر الأمر... ولن أنس أبداً وجوه هؤلاء الجنود فقد ظننتهم ملائكة الموت...". (جرح النكبة، ج:1، ص:235)

وفي مشهد آخر، والمشاهد كثيرة، تروي إحدى الناجيات من مجزرة طيرة الكرمل ما شاهدته بعدما هجّروا من قريتهم وتحديداً في منطقة اللجون لمجموعة من كبار السن من اهالي الطيرة قريتها، فتقول:"... كان من بين هؤلاء (المهجرين) عدد من العجزة والمقعدين (27 – 28 شخصاً) ...، كما كان من بينهم مكفوفون، فوضعهم اليهود في حقل بجانب الطريق (به قش) وسكبوا على القش البنزين وأطلقوا النار على القش (عليه) فاشتعل القش، وحرق العجزة والمقعدون أحياء بداخله....". (جرح النكبة، ج:1، ص:257)

وفي اثبات آخر وليس الأخير من تلك الأدلة الدامغة على مجازر الإسرائيليين البشعة يصف أحد شهود العيان (الدكتور احسان خليل الاغا)، مجزرة خانيونس في العام 1956م، والتي راح ضحيتها 500 – 600 فلسطينياً بين امرأة وشيخ وطفل وشاب، فيقول:" ما رأيته بعد ايام من المذبحة في القلعة ... حين اقتربت من سور القلعة وجدت بقعاً مستطيلة من الدماء، اختلطت بطبقة خفيفة من الرمال اكسبتها لوناً مميزاً، والأفظع أنني رأيت شيئاً عجيباً على جدار القلعة، لم أشهده من قبل ولا القلعة ذاتها، انه جزء من مخ بشري وفتات عظم من عظم جمجمة وشيء من الدماء". (جرح النكبة، ج:3، ص:67)

      3- انتهاك العصابات الصهيونية وإسرائيل لحقوق الإنسان في مواقع كثيرة لا تعد ولا تحصى، لا بل ان كل مسيرة الشعب الفلسطيني منذ نكبة 48 الى اليوم مكللة بإهانة لكرامة الفلسطيني وانتهاك صارخ لحقوقه كإنسان، فالقتل الجماعي للمدنيين العزل المصانة حقوقهم في الأعراف الدولية كان أمراً عادياً ومن الفلسطينيين من قتّلوا وشرّدوا وأذلّوا في المعتقلات الاسرائيلية.

وحول أحداث قرية بلد الشيخ (قضاء حيفا) يقول احد الشهود (احمد محمد سباعنة): "... ودخلوا .. البلد من جميع الجهات، وكانوا يدخلون على المنزل ويذبحوا الناس بالرشاشات، وقعدوا (استمروا) حوالي ساعتين وهم يذبحون في الناس...". (جرح النكبة، ج:1، ص:61 )   

وهذا بحد ذاته انتهاك صارخ لحقوق المدنيين الآمنين وتعد واضح على كل الأعراف والقوانين الدولية؛ ليس هذا فحسب وانما أيضاً لم يحترموا طفلاً ولا امرأة، فها هو الحاج محمد الصالح، يروي حادثة رآها بأم عينيه فيقول: " مررت على امرأة وهي ترضع طفلها، يدها تمسك بالسرير وثديها في فم الطفل فقلت يا بنت.. يا بنت، فلم ترد، فقمت بسحب طفلها من ثديها، فإذا هي ميتة جراء القصف وبقي الطفل على قيد الحياة".  (جرح النكبة، ج:2، ص:143 )

وأكد مشهد آخر مدى حجم انتهاك حقوق الانسان المدني وبالذات النساء والشيوخ والأطفال، حيث يقول الشاهد (عبد العزيز عبد الرحمن عيسى): ".. قاموا بقتل نصره أبو نصر...، ولم يرحموا جنينها (سيدة حامل) بل قتلوها أبشع قتله، وأخذوا منها حليِّها وتركوها تتمرغ في دمائها، ويومها عثروا على شيخ قائم للصلاة في بيته... فقتلوه" ويضيف "وبلغت القسوة باليهود انه (كان من بينهم) عريف دخل بيتاً عربياً فقتل طفلين أمام أمهما ... ولما سألوه (عن السبب) أجاب أن زوجته طلبت منه أن يقتل 40 عربياً، وتمكن (حتى تلك اللحظة) من قتل 38 فقط  وعز عليه أن ينسحب قبل تحقيق رغبة زوجته". (جرح النكبة، ج:3، ص:129)

وفي مشهد آخر من جملة مشاهد انتهاك حقوق المدنيين الفلسطينيين تروي إحدى الشهود وهي السيدة (عيده محمد صالح) بعضاً مما حصل في قريتها سمسم:" الشهيدة رسمية الحمدني مسكوها اليهود وهي عند شوال (كيس) التبن وذبحوها بالخوصة (السكين) (مثلما) تذبح الشاه (بالضبط) من عند رقبتها ... (و) الشهيد عيسى أبو ناصر الشليح مسكوه ... وأخذوه  وربطوه،....، جابوا (أحضروا) بلطة وقطعوه وهو طيّب (حي)".(جرح النكبة، ج:2، ص:221)

والأدلة كثيرة يصعب حصرها، دونما بالتأكيد التطرق لأعمال السخرة التي تعرض لها الرجال المعتقلون في السجون التي أعدت للفلسطينيين عام 48، وما لحق بالفلسطينيين من ظلم وإرهاب في بعض الدول العربية المجاورة بأيدٍ عربية واسرائيلية.[3]

      4- الاغتصاب والتعدي على الأعراض، وذلك في اكثر من حالة، لكن مجتمعنا محافظ كالعادة ونادراً ما يتم الحديث عن هذه الظاهرة التي انتهجها عناصر العصابات والجيش الاسرائيلي.

ففي رواية جاء ما يلي:" .. وبعد (قتل الرجال) توجهوا للنساء وقاموا باغتصابهن ثم نقلوا (النساء) الى غابة مجاورة وقتلوهن، وقد رأيت امرأة مقتولة وبين ذراعيها طفلها المقتول هو الآخر". (جرح النكبة، ج:2، ص:233)

ويروي آخر وهو (محمد موسى البرعي) من خلال شهادته ما يلي: ".... ثم خطفوا وليِّه (صبية / فتاه)......،.....، ولهذا اليوم لا نعرف عنها شيئاً". (جرح النكبة،ج:2، ص:131)

ويذكر السيد "فان فاسن هوفي" والكولونيل مسور / من فريق التحقيقات الدولي للأمم المتحدة، في تقاريرهما ما يلي".... أحد الجنود تبجح أمام سادته وقال بأنه اغتصب امرأة عربية قبل إطلاق النار عليها وقتلها....". (جرح النكبة،ج:1، ص:105)

وفي رواية اخرى يقول الشاهد (محمد العارضة) حول نفس الموضوع:" .... وكانوا برضو (أيضاً) البنت الجميلة ينادونها ويأخذوها للضابط ومعروف التكملة (الاعتداء/الاغتصاب)، كنت أوعى (أتذكر) لما ستي (جدتي) صارت تطول (تأخذ) من الطنجرة شحبار (سكن/رماد) (وتدهن) به وجوه قريباتها....". (جرح النكبة، ج:1،ص:425)

وهكذا حالات كثيرة اعتدى فيها هؤلاء على أعراض بنات ونساء الشعب الفلسطيني، ناهيك عما جرى في الضفة الغربية وغزة والدول العربية المجاورة وتحديدا مخيمات لبنان.

      5- انتهاك اليهود للمقدسات وتدنيسها، وهذا ثبت يقيناً وبالأدلة القاطعة من خلال روايات أولئك الشهود من ابناء الشعب الفلسطيني. وفي تقرير أحد ضباط لجنة مراقبي الأمم المتحدة تأكيد واضح على تدنيس اليهود لدور العبادة ومنها المساجد، ضمن ملف التقارير، ورد ما يلي: " وطلب فريق الأمم المتحدة رؤية المسجد في قرية الدوايمة، لكن ضابطاً اسرائيلياً أجابهم بقوله (نحن لا ندخل أبداً الى المسجد لأن هذا لا يجوز، وعلينا مراعاة التقاليد في مثل هذه الامور)، ولكن عندما تسنى لموظفي الأمم المتحدة إلقاء نظرة إلى داخل المسجد وجدوا عدداً لا بأس به من الجنود اليهود في المكان المقدس، مما بدا بوضوح انه دنّس". (جرح النكبة، ج:1، ص:114 -115)

لكن هناك تحقيق آخر نشر في كتاب قرية الدوايمة (ص:119) للمؤلف موسى عبد السلام هديب، جاء فيه على لسان شهود عيان منهم لا يزالون أحياء ولقد استطاع د.ابراهيم ابو جابر/ المشرف على المشروع التأكد من أحد الناجين وهو ابن أخ مختار القرية حول صحة رواية مجزرة مسجد الزاوية، نشر ما يلي:

"إن اليهود اندفعوا يطاردون الأهالي بعد اقتحامهم القرية ويفتشون عنهم في كل ناحية من بيوتها،....، ولما اقتربوا من المسجد (الزاوية)، لم يرع اليهود حرمته، وكان فيه نيّف وخمسون كهلاً (دراويش)، بين قائم وراكع وساجد، لم يستطيعوا الهرب، فأجهزوا عليهم جميعاً (قتلوهم)". (جرح النكبة، ج:1، ص:116)

ومدينة اللد لم تسلم مساجدها الأخرى من تدنيس لقدسيتها، حيث يروي (أحمد علي جزار) ما شاهده بخصوص مجزرة مسجد دهمش وتدنيس المكان فيقول:".... حاول العرب الاختباء في مسجد يسمى جامع دهمش، لكن اليهود لاحقوهم داخل الجامع وقتلوهم (حوالي 100 شهيد)، ...... ، وإن الدماء صارت تجري مثل النهر الجاري وجثثهم مثل أكوام الحصير....". (جرح النكبة، ج:1، ص:402)

وحول حادثة تدنيس الجنود اليهود كنيسة عيلبون يقول أحد الشهود وهو (بطرس شكري متا) :" كان يوم 30/10/1948م، يوم سبت، وكان عمري حينها 17 عاماً، دخل الجيش الإسرائيلي في الصباح مع طلوع الشمس وكانت مجموعة كبيرة من الناس (شيوخ ونساء وأطفال) مختبئين كل الليل في كنيسة القرية. دخل الجنود الى الكنيسة وفناء بيت الخوري مرقص حنا معلم (فاقتادوا الناس)". (جرح النكبة، ج:1، ص:297)

كل ذلك ناهيك عما قام به الإسرائيليون إما خلال أحداث النكبة أو بعدها بنسف المساجد وتدنيسها بتحويلها إما لخمارات أو ملاهي أو مخازن واسطبلات للحيوانات، وحرمان المسيحيين أيضاً من الصلاة في كنائسهم أو ترميم القائم منها مثلما هو الحال بكنائس اقرث وبرعم في الجليل الأعلى.

      6- تواطؤ عناصر من جيش الانقاذ مع اليهود، واختراقه من قبل الأجهزة الأمنية الصهيونية واليهودية حيث استغل اليهود عامل يهود الدول العربية المتقنين للغة العربية وعادات وتقاليد العرب وعوامل قوتهم وضعفهم وسيلة لتحقيق مصالحهم.      

وجاء في شهادة (محمد سليمان البكر) ما يلي:" كان الهجوم على الشجرة يوم الخميس الصبح بالتعاون مع محمد رزق العراقي وكان من قيادة جيش الانقاذ العربي، وكان مسؤولاً عن تدريب الشباب، والذي تبين بعدها أنه يهودي خائن من قيادة الهاغناه (قتل في هذا الهجوم 25 من الشجرة)".(جرح النكبة، ج:1، ص:197 – 198)

وفي شهادة السيد (حسين محمد رُماني) جاء ما يلي: "عمل أجانب مع فوزي القاوقجي (قائد جيش الانقاذ) قالوا أنهم من يوغسلافيا ولكنه اتضح فيما بعد أنهم يهود...". (جرح النكبة، ج:1، ص:205)       

وقد ثبت في اكثر من موقع تواطؤ جيش الإنقاذ مع اليهود ولعل من جملتها: بعد انتصار المجاهدين واستيلائهم على مستعمرة ايلانه (الشجرة) وتمركزهم في مواقعهم الجديدة ".... وردت اليهم الأوامر من قيادة جيش الانقاذ بالانسحاب بحجة أن هدنة ثانية قد وقعت بين العرب واليهود ومدتها أربعة أسابيع ... أطاع المجاهدون المتطوعون في جيش الانقاذ اوامر قيادتهم وعادوا مثقلين بالألم والمرارة، وتعرضوا اثناء انسحابهم الى نيران العدو فقتل من قتل وجرح من جرح، وكانت الخسائر التي مني بها المجاهدون اثناء الانسحاب أضعاف ما خسروه في تقدمهم واحتللهم للمستعمرة (ايلانه: الشجرة)، وهكذا اعيدت المستعمرة لليهود"، وجاء في نفس المصدر انه عندما وصل جيش الانقاذ فلسطين بقيادة فوزي القاوقجي اتجه مع قادة الجيش صوب الناصرة " حيث جعلت مقراً للقيادة واعلن عن "مدلول بيك" حاكماً عسكرياً في الناصرة، وقد تبين فيما بعد أن مدلول بيك هذا كان يهودياً عراقياً في حقيقته". (جرح النكبة، ج:2، ص:327)

وفي مشهد آخر " كانت دبابة لجيش الإنقاذ مزودة بمدفع تقف قبالة مستعمرة ايلانه (الشجرة)، وتطلق نيران مدافعها على بيت أحد سكان المستعمرة اسمه الخواجة أرئيل، وكان البيت خالياً من السكان، ولا تكف الدبابة عن اطلاق النار الا عندما تأتي مصفحة يهودية من الجنوب تحمل الذخيرة والمؤن لسكان المستعمرة (هكذا تبين فيما بعد)،.. غضب أحد المجاهدين المتطوعين (سوداني الأصل)(ممن) كانوا يتمركزون في لوبيه، .... واندفع نحو الدبابة متهماً المسؤول بالخيانة، شاتماً اياه بغضب شديد، مهدداً اياه بالقتل، لكنه لم يكد يصل منتصف الطريق حتى كانت قذيفة من مدفعية جيش الانقاذ الرابضة في مرج الذهب قد مزقت جسمه". (جرح النكبة، ج:2، ص328)

والأمثلة كثيرة في هذا الجانب، بغض النظر عن أحداث أيلول الأسود والكثير من الروايات والشهادات الحية على ما أسهمت فيه اسرائيل في ضرب المقاومة الفلسطينية هناك، ثم لبنان ومخيماتها وممارسات الكتائب والقوات اللبنانية وحركة أمل الشيعية والقوات السورية.

7-     إقامة (4) معسكرات اعتقال وسخره للفلسطينيين في مناطق مختلفة من البلاد، حيث كشفت مصادر اللجنة الدولية للصليب الأحمر على انها ضمت (5000) معتقل من الفلسطينيين دأبت إسرائيل على تشغيلهم في ظروف اعتقال وعمل، كما قالت، على نسق المعسكرات النازية. أما المعسكرات الأربعة فهي: إجليل، عتليت، صرفند(الرملة)، تل لوينسكي، زارها الصليب الأحمر في نوفمبر 1948.

وحول هذا الموضوع يقول أحد شهود العيان (من الطنطورة)  وهو الشاهد (رسلان حسن ايوب اعمر):"... ثم قام الجيش باعتقال كل الشباب المتبقين بالقرية، (من جيل 10 سنوات واكبر)... في البداية أرسلوهم الى زخرون يعقوب (زمارين) (قد يكون سجن عتليت المذكور اعلاه)، ثم الى ام خالد (نتانيا) ثم إجليل ورعنانا... أنا مكثت في السجن 11 عاماً...". (جرح النكبة، ج:1، ص:248)

وهناك شاهد آخر من مدينة اللد وهو السيد خليل كركر(أبو احمد) يقول: "... وبعد الاحتلال... والمجزرة... ودفن الموتى... ممن تم اكتشاف جثثهم، اعتقلت القوات الإسرائيلية الشباب من ابناء اللد...، وزجت بهم الى معسكر إجليل... ثم نقلتهم الى صرفند... واستمر الاعتقال الى تسعة أشهر... وخلال الأيام الأولى للاعتقال كانوا يجبرون المعتقلين، وتحت تهديد السلاح... الدخول الى البيوت (العربية المهجورة) وجمع ما فيها من حاجيات وتحميلها على سيارات الجيش..".(جرح النكبة، ج:1، ص:385)

8-                سرقة اليهود لأموال وممتلكات الفلسطينيين، وهذا ما أكدته كثير من روايات شهود العيان وغيرهم من الأجانب، على المستوى الرسمي أو غير الرسمي.

الشاهد عبد الحميد النقير (اللد) يقول في هذا الجانب:"... طلعنا (من اللد) حتى وصلنا الحارة الشرقية، وإلا باليهود حاطين (واضعين) شوالات (أكياس) فأخذوا كل ما لدينا من مال وذهب ووضعوه في الشوالات (الأكياس). (جرح النكبة، ج:1، ص:389).

أما الشاهد اسبير منيِّر فيقول:"... جنود الاحتلال وضعوا حواجز على جميع الطرق المتجهة شرقاً..، حيث كان الجنود يفتشون النازحين، وخصوصاً النساء، ويسلبون مصاغهن (ذهب) من صدورهن ومن أيديهن ومن داخل أجسامهن..، بالإضافة الى النقود، وكل شيء خفيف الحمل وغالي الثمن". (جرح النكبة، ج:1، ص:396)

وجاء في رواية أخرى:"...(قام) الجنود والضباط الإسرائيليون بالنهب والسلب لأملاك العرب، ثم تبعهم السكان المدنيون من المستوطنات المحيطة ومن سكان تل ابيب، وقد نهبوا كل ما يمكن نقله ومن ضمنها أبواب البيوت ونوافذها وبلاطها...".(جرح النكبة، ج:1، ص:382).

9-                صمود الشعب الفلسطيني ودفاعه البطولي عن وطنه، وبذله الغالي والرخيص في سبيله، وهذا الأمر لا يحتاج عادة لدليل مادي محسوس وإنما مؤكد تماماً.

وقد ورد على لسان الحاجة شاهرة ذياب أحمد رمضان: "... جاء اليهود الى ارضنا، وكنت ... أحصد مع ابي فحذّرنا اليهود بألا نأتي للأرض... ولم نهرب وحملنا السلاح، حيث باع الرجال ذهب نسائهم واشترى كل واحد منهم سلاحاً ليحارب به (اليهود)". (جرح النكبة، ج:2، ص:99).

أما الشاهد شفيق علي حسن غراب فقال:"... كنت أنا شاويشاً، فجمعنا المال من كل من استطاع الدفع، واشترينا 300 قطعة سلاح... قسمنا المقاومين لنصفين: 150 مقاوم في الجنوب و 150 في الشمال". (جرح النكبة، ج:2، ص:183).

أما شاهد آخر وهو محمود درويش الحو، فيقول:"... هجموا (اليهود) ... فهب المناضلون، حملوا السلاح وأخذوا في مقاومة العدو... (اليهود) كان معهم مصفحات والمناضلون كانوا بصدورهم، كان منهم من يختبئ وراء شجرة أو حجر..".(جرح النكبة، ج:2، ص:229)

10-            تواطؤ الانجليز وانحيازهم لليهود منذ بدايات الانتداب على فلسطين، وهذا أيضاً ليس في حاجة الى دليل، وانما يكفي وعد بلفور بداية، غير ان ذلك لمسه المواطنون الفلسطينيون أنفسهم على الأرض؛ فالشاهد حسين مطلق مقبل عايد يقول:"... لما سحبوا الانجليز سلّموا مراكزهم للهاجناة...". (جرح النكبة، ج:2، ص:157)

وجاء في نفس المصدر:"... وقاموا (اليهود) باحتلال عمارة سكة الحديد والبريد بعد ان انسحب منها الانجليز... وقام الجيش البريطاني بترحيل العرب من حيفا، براً الى جنين والناصرة، وبحراً الى عكا ولبنان، وفتحوا لهم أبواب الميناء وطلبوا منهم (التجمع في) ساحات الميناء، وعندما أصبحوا (العرب) داخل الميناء أقفلوا عليهم بوابات الميناء ومنعوهم من الخروج، وأجبروهم على مغادرة حيفا بحراً". (جرح النكبة، ج:2، ص:205).

أما الشاهد ناطور (ابن حيفا):"... كان ذلك في نيسان 48... في التاسع عشر من هذا الشهر الربيعي سقطت حيفا... كان جنود بريطانيا يجمعون أمتعتهم، بعد أن سلموا أسلحتهم لقوات الهاجناه... الانجليز لعبوا اللعبة القذرة...". (جرح النكبة، ج:2، ص:215) 

 

أما ما يمكن تدوينه للتاريخ ولكل الدنيا في هذا السياق فهو السؤال التالي:

لماذا لم تسهم الدول العربية وعلى رأسها مصر والأردن في إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة الواقعة ما بين 48-67؟؟   

 

الخلاصة:

بات في حكم المؤكد أن الشعب الفلسطيني، رغم الظروف الحالية التي يمر فيها قد اصبح يسير نحو تحقيق مشروعه الوطني والمتمثل في إقامة دولته الفلسطينية واستعادة حقوقه المشروعة، رغم قساوة الطريق وما يعتريها من مطبات وتداعيات.

وإن المرحلة القادمة من تاريخ الشعب الفلسطيني بالتأكيد ضبابية، وغير نرجسيه إن صح القول، لتعنت اسرائيل واصرارها على مواقفها الرافضة لعودة اللاجئين والقدس والاستيطان وغيرها، فغير مستبعد وبالذات في حال فشل المفاوضات اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة ضد الاحتلال.

ومن خلال ما سبق من أدلة قطعية على الممارسات الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني وبالذات المدنيين منهم فلا بد من التوصية بالتالي:

1-                تشكيل لجنة دولية مختصة لتحديد جرائم ومجازر اسرائيل بعدما تم تأكيدها وجمع الأدلة والقرائن المطلوبة استعداداً لتقديمها للمحكمة الدولية.

2-                تشكيل المحكمة الدولية طاقماً من القضاة للإشراف على محاكمة كل من تثبت إدانته وفق القانون الدولي الجنائي.

3-                تشكيل لجنة فلسطينية من كافة مناطق تواجد الفلسطينيين في الداخل والمنافي لمتابعة الملف أعلاه من كل جوانبه.

4-                رفع كل فلسطيني له حق أو مورست ضده أي وسيلة إجرام من طرف اسرائيل أو بعض رموزها عسكريين كانوا أو مدنيين قضية قانونية ضد اسرائيل.

5-                اتباع سياسة إعلامية مدروسة من الطرف الفلسطيني للعالم يتم من خلالها فضح  جرائم اسرائيل وانتهاكها لحقوق الانسان ومطالبة دول العالم باعتقال كل مشتبه به من الإسرائيليين في حال دخول أراضيها.

6-                وضع استراتيجيه علمية وموضوعية من طرف الفلسطينيين لتحقيق عودة اللاجئين وبث روح الأمل في نفوسهم ومنعهم من الاندماج والتعويض.

                 



[1] انظر، أبوسته سلمان، مصادر التاريخ الشفوي وعلاقته بحق العودة (ورقة عمل) 208، ص:4-5

[2] انظر، المدني رشاد، أهمية التاريخ الشفوي الفلسطيني ومصاعب تطبيقاته من واقع التجربة الشخصية (ورقة عمل ضمن اعمال مؤتمر التاريخ الشفوي / الجامعة الاسلامية – غزة)، 2008، ص:45

[3] إقامة اسرائيل عام 48 أربعة معسكرات اعتقال للفلسطينيين هي: إجليل(تل ابيب)، عتليت(حيفا)، صرفند(الرملة)، تل لوينسكي.

لا يوجد تعليقات.
الاسم: (*)
البريد الإلكتروني: (*) (لن يتم عرضه للزوار)
نص التعليق: (*)
 
الرجاء أدخال
الكلمات التالية:
(*)


 
ألرجاء أدخال المعلومات الاتية - (*)