الحكمة من تأخير عقوبة الظالمين
الكاتب: المهند السَّبيعي(أنقر لقراءة المزيد من مقالات الكاتب)
تاريخ الإضافة: 01/10/2009 - (ميلادي)  ~  12/10/1430 - (هجري) أرسل الى صديقنسخة ملائمة للطباعة


المهند السبيعي

كلنا يعلم أن الله يمهل الظالمين ولا يهملهم , فهل تفكّر أحدنا يوما في الحكمة من ذلك؟ 

وعلى الرغم أننا نمتثل لشرع الله قبل معرفة الحكمة , ولكننا نتدبر في الحكمة من شعائره وشرائعه سبحانه , لنسبح بحمده ونعرف حكمته وعظمته سبحانه.

~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~

إن ما سأذكره في مقالي ما هو إلا مجهود شخصي ,أرجوا أن لا يُفهَم على أنَّه تقّوُّلٌ على الله,أو تحديد لإرادة الله, فأنا المخلوق الضعيف الذي لا أملك إلا التأمل والتدبر, ووصف ما أراه بنفسي , لأنني لا أعلم من إرادته, ولا أفقه من حكمته شيئا ,  فهو الحكيم الخبير, لا تدركه الأبصار, ولا يسأل عما يفعل ,وإنني بهذه الكلمات أحاول أن أقول:

 إن الفوائد التي نراها من تأخير العقوبة للظالمين كثيرة وكثيرة, نذكر ما نراه منها, وما تدركه عقولنا القاصرة فنقول:

1- إذا أراد الله بالظالم خيرا أمهله, حتى يتدارك خطأه فيتوب إليه, ويندم على ما فعله، قال تعالى ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) المائدة:39

وقد أرسل الله نبيه موسى عليه السلام إلى فرعون وقد ظلم وزاد في ظلمه حتى طغى ، فقال تعالى:(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه :  43، 44 فالآية الكريمة توضح إمكانية رجوع هذه الطاغية, بإرسال الرسل إليه لينصحوه، وقد سمع أكثرنا بقصة إبراهيم بن أدهم،الذي كان يتسوّر البيوت ويسرقها. فتسور بيتاً مرة، فرأى صاحب البيت يقوم الليل ويصلي ويقرأ قول الله تعالى : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله..)، فقال: قد آن يا رب.. وتاب إلى الله.

~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~

2- وإذا أراد الله بالظالم شرا استدرجه, ومدّ له, ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : (وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) هود:102 رواه البخاري 

3- إن الله يُمهل للظالمين ليسلط بعضهم على بعض, وكثيرا ما نسمع خطباء المساجد يقولون" اللهم أهلك الظالمين بالظالمين" ، قال عز من قائل :(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الأنعام : 128، فما من ظالم إلا ويبتلى بأظلم منه لنجد في النهاية أنهم يفنون بعضهم البعض في الدنيا ,  وينالون أشد العذاب في الآخرة.

~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~

4- بإمهال الظالم يفتح الله على عباده المسلمين بابا من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما . فقال رجل : يا رسول الله ، أنصره إذا كان مظلوما ، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال : تحجزه ، أو تمنعه ، من الظلم فإن ذلك نصره" رواه البخاري

~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~

5- عندما يُمهل الله الظالم، فإنه يظلم كثيرا من الناس, ولعل في ذلك بابا من أبواب زيادة أجر المظلومين, إن صبروا على أذية الظالم، فإن كان مسلما وعفوا عنه كان لهم أجر كبير, كما قال تعالى " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " وعندما عُذب الإمام أحمد في فتنة القرآن قال لابنه: يا بني مررت بهذه الآية "  فمن عفا وأصلح فأجره على الله "  فنظرت في تفسيرها فإذا هو إذا كان يوم القيامة قام مناد فنادى لا يقوم إلا من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا" فسامح الإمام أحمد كل من عذبه من الميتين وقال لابنه" وما على رجل ألا يعذب الله أحدا بسببه" (تهذيب الكمال ج1 ص464)

ولنعلم أن الله عدل يحب العدل فإنه يوم القيامة يقتص من الظالم  فيأخذ من حسناته فإن لم يكن لديه حسنات أُخِذَ من سيئات المظلوم ثم طرحت عليه ,  لتضاف إلى سيئاته.

~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~

6- إن الله يؤخر عذاب الظالم حتى يشعر الناس بالشر ويعرفوه, عندئذ يلتجئون إلى ربهم فيدعونه, ليكفيهم هذا الشرّ، فلو عوقب الظالم  فور ظلمه لما شعر الناس بالشر ولما خافوا من الظلم والظالمين،

إن الله سبحانه على كل شيء  قدير , وقادر على أن يبطش بالظالمين لحظة ظلمهم, ولكنه سبحانه  له في تأخير عقوبتهم حكم كثيرة ,  لن نحصيها  قال تعالى : (.... وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) الرعد : 11

وقبل أن أختم كلمتي ، أذكر قصة تبيّن تساؤل أحد الناس عن سبب إمهال الظالم، تقول القصة باختصار:

مرّ رجل على قصر الحجاج بن يوسف فرأى رجلاً مصلوباً قد عُذب عذاباً شديداً , فرفع بصره إلى السماء وقال : يا رب حلمك على الظالم أضرّ بالمظلوم , وأشار بيده إلى الرجل المصلوب . ثم ذهب هذا الرجل إلى بيته فنام . فرأى في المنام مناديا يقول له حلمي على الظالم جعل المظلوم في عليّين.

~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~

الخاتمة:

وفي النهاية أقول: إننا مهما حاولنا أن نكتشف عن واسع حكمته, في أي تشريع من تشريعاته , فإننا لن نستطيع معرفة إلا  القليل , فما أوتينا من العلم إلا القليل, هذا ما كتبته , فإن أحسنت فمن الله وإن أسأت فمن نفسي وأستغفر الله وأتوب إليه .( سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) البقرة : 32 .

 

تعليق  من  !!!!!  (02/10/2009 @ 07:58:08 AM)

شكرا لك اخ المهند على هذا التوضيح فعلا من منا تدبر في حكمة امهال الله للظالمين....شكرا لك اخ المهند على هذا المقال الممتاز ذو فكرة الرائعة

تعليق  من  قائد  (03/10/2009 @ 02:59:38 PM)

عزيزي المهند...لأول مرة أقول..أعجبني مقالك كاملا...على ما يبدو أنك أغلقت كنانة سهامك..و بدأت في قطف الورود... إن سرت هكذا فلك إحترامي القرمزي..

تعليق  من  المهند السبيعي  (04/10/2009 @ 03:22:43 AM)

أشكرك مروركم، وإلى الأخ قائد، فلا بد من إطلاق السهام على الضالين كي لا يضلوا من حولهم، والضالين كثر في هذه الأيام، فإن أعجبكم مقالي فهذا توفيق من الله وإن لم يعجبكم فحتما سيعجب غيركم والناس أذواق حتى في تذوق الكلمات. والسلام

تعليق  من  ام ماهر   (07/10/2009 @ 09:06:28 AM)

الى الأمام دوما جزاك الله خيرا وجعله الله في ميزان حسناتك

تعليق  من  moonlight  (26/10/2009 @ 12:16:39 AM)

والله لانه تم ظلمي قسرا وعدوانا لم يرحمني احد بل زادو في ظلمي حتى ووالدي متوفي ليس له الا شهر ظلموني موظفات في العمل حسبي الله ونعم الوكيل اصبحت لاانام ليلا ولا نهارا اللهم خذ بيدي اللهم انهن تعاونن على ظلمني ولم يجف حتى تراب والدي

تعليق  من  المهند السبيعي  (26/10/2009 @ 01:46:52 PM)

أختي في الإٍسلام اصبري واحتسبي أختي فوالله إن المصائب تكون نعما في بعض الأحيان ونحن لا ندري تذكري أن هذا ابتلاء من الله وهو يبتلي من يحب من عباده ، انظري كيف ابتلى أنبيائه وقد صبروا رغم شديد المصائب التي كانت تنزل بهم قال تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) البقرة : 216 ولا تنسي أختاه قوله تعالى : ( ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) هل رأيتي أختي " وبشر الصابرين " فلتصبري لتأتيكي البشائر .... عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اتقوا دعوة المظلوم ؛ فإنها تحمل على الغمام ، يقول الله : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" صححه الألباني عليك بالدعاء، فوالله لن ينسى الله من ظلمك وسيستجيب دعائك مهما كان ، إن كان ظلمهم كبير بك فادعي الله بـ : اللهم إنهم ظلموني وأنت قد حرمت الظلم على نفسك ، الله فأرني بهم عجائب قدرتك ، اللهم إني أجعلك في نحورهم وأعوذ بك من شرورهم وأعدك أن تري عقاب الله بأم عينك حتى تحزني على ما أصابهم فتقولي سامحتهم يالله من كثرة ما يصيبهم من جراء دعائك الله يختبرك الآن أتصبرين على مصيبة الظلم وعلى مصيبة موت والدك رحمه الله وجعله في عليين ؟ أم تجزعي و تعرضي أسأل الله لكي الثبات وأسأل الله أن يفرج همك

تعليق  من  moonlight  (26/10/2009 @ 11:58:03 PM)

جزاك الله خير الجزاء اخي المهند والله اني نطقت بالحق فورث احقادهن فلقد شهدن علي زورا وبهتانا ويردن ابعادي عن وظيفتي واللتي منها اصرف على اخوتي الايتام ..

تعليق  من  المهند السبيعي  (08/12/2009 @ 02:53:08 AM)

أوصيكي بالدعاء أخيتي. وستري بأم عينيكي العجب العجاب. صبر جميل

تعليق  من  مروة النجار  (02/02/2010 @ 11:58:41 AM)

جزاك الله كل خير، فأنا تعرضت للظلم من أقرب الناس إليّ، من زوجي الذي أحببته وحفظته في ماله وعرضه وبيته وقابل كل ذلك بمالا تطيقه نفسي من مهانة وضرب وسباب لي ولأسرتي بأقذر الألفاظ مرورا بتلفيق قضايا زور لوالديّ، وشرفي وشرف والدتي وأختى الذي خاض فيه ناهيك عن سب الدين. فوالده يعينه على ذلك بل ويشجعه نظرا لما يتمتعون به من مال و سلطة. ولا نقول سوى حسبنا الله ونعم الوكيل مع العلم أني رزقت منه بطفلة ومازلت أدعو عليه وعلى والده كلما نظرت لنفسي ولصغيرتي ولبيتي الذي كتب له الخراب على يديهما.

تعليق  من  أغيد  (03/02/2010 @ 11:42:10 PM)

الأخت الفاضلة , الطلاق وانهدام الأسرة أمر ليس هينا قولا واحدا ونتائجه قد تكون مدمرة ولكن الأصعب منه في حالتك هو الرجوع إلى ذلك الزوج الخائن , فلماذا ترجعين ؟؟؟ لماذا ترجعين بذهنك إلى ماض مظلم , لم أنت مصرة أن تتجرعي اليوم وغدا شيئا من هذه الصعوبة , تلك الطفلة البريئة لايجب أن تكون نقطة إثارة لاجترار الماضي وآلامه إنما احسانا لها أن تنطلقي بها نحو المستقبل في تربية فاضلة وأنت أهل لها , وإلا أقترح عليك أن تتخلي عن حضانتها وتعيديها لوالدها رحمة بها ورحمة بك ... لايفيد في هذه الأوقات وما هو آت إلا الصبر الجميل والسمو عن تفاصيل الأسى ومعذرة لست أول فتاة تطلق ولست أول فتاة تظلم , فدعي عنك الوقوف على الأطلال وانطلقي في حياتك واملأي وقت فراغك بوظيفة مناسبة أو بعمل مفيد , وأنا أفضل ألا نعتدي في الدعاء بالنسبة لي أقسى ما أقوله : عليه من الله مايستحق , هناك آية في القرآن الكريم أظنك تدعين بها يوميا على الأقل خمس مرات ( رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) فهل تعقبين بقولك إلا فلانا وأبو فلان ؟؟؟ ياسيدتي علاقتك أساسا ودائما مع الله وعندما تقوى العلاقة أكثر سوف تجدين تلك التفاصيل تنمحي شيئا فشيئا لتصبح ذكرى باهتة وملفا مغلقا مقابل راحة نفسية , والسؤال الأخير هل سيبقى شيطانك يضحك عليك في الإغراق بتفاصيل مضت لاتخلف إلا السلبية أم أن التمسك بحبل الله المتين هو الأجدى ومابعد العسر إلا اليسر ولايلقاها إلا الذين صبروا

تعليق  من  أغيد  (17/04/2010 @ 10:19:41 AM)

من أسباب إمهال الظالمين أيضا أن الدنيا دار امتحان واختبار ودار مجاهدة وتكليف وهذا يقتضي أن تظل الحقائق مستورة ومخفية كي تحصل المنافسة والمسابقة وليسمو الصديقون بالمجاهدة الى أعلى عليين وليتردى الكذابون الى أسفل سافلين . فلو عوقب كل ظالم فورا لأصبح الايمان بديهياً أي لاستسلم الكفار و المؤمنون معاً ولأنتفى التكليف وانسدّ بابه - كما إن إمهال الظالمين جزء من سنة الله في خلقه : سنة التدافع بين الخير والشر وعلى المسلمين ألا يركنوا للظالمين المعتدين الذين يعيثون في الأرض الفساد ويهلكون الحرث والنسل .

الاسم: (*)
البريد الإلكتروني: (*) (لن يتم عرضه للزوار)
نص التعليق: (*)
 
الرجاء أدخال
الكلمات التالية:
(*)


 
ألرجاء أدخال المعلومات الاتية - (*)