"إنسحاب سرمدي" حالة يعيشها الكثير من الشباب العربي في هذا اليوم بسبب الكلمات السلبية التي تلقى على أسماعهم كالمطر من كل مكان وبسبب عدم وضوح الأهداف وبسبب التوجيه القسري بدلا من الإختياري، إضافة إلى عوامل وأسباب أخرى يضيع الشاب ويفضل دائما الإنسحاب بلا مبرر في معظم مشاريعه ومخططاته.
الأفضل في أي شئ:
يستطيع الكثير منا أن يكون الأفضل في أي شئ ولكنه وللأسف سرعان ما ينسحب ليحاول أن يكون الأفضل في أشياء أخرى ويبقى في هذه الدوامة إلى أن يشيب فلا يتميز بأي شئ وينطبق عليه نظرية أنه تعلم شيئا من كل شيء ولكن لم يتعلم أبدا كل شيء عن أي شيء. فلماذا ؟
لماذا ينسحب الكثيرون في اللحظات الحاسمة ( إما ليأس ، أو تسرع ، أو لسأم ، أو لتسويف) الحقيقة أني لا أستطيع التنبؤ بالأسباب الحقيقة ولربما احتجنا لخبير إجتماعي أو نفساني ليحيط بالأسباب الحقيقة.
لماذا أسميته بالسرمدي؟
كل شئ في حياتنا عبارة عن عادات نتعود عليها وتصبح مع الوقت شيئا متأصلا يصعب التخلي عنه، وهكذا الإنسحاب و الإستسلام فكلما انسحبنا من أشياء أكثر في حياتنا أصبح ذلك عادة عندنا وأدمنا على الإنسحاب.
ربما لم يعلمنا أحد في صغرنا أن الأشياء الصغيرة تصبح كبيرة مع الوقت وأن القطر المستمر ينحت صخر الصوان ولكننا على الأقل تعلمنا لاحقا أن أحب الأعمال إلى الله القليل الدائم، ومع ذلك لم يتعظ معظمنا. وليس بالضرورة إن عرفنا خطورة شيء ما أن نرعوي عنه فكثير من المدخنين مثقفون جيدا بخطر التدخين لدرجة أنهم يعلمون أنهم سيضعون قناع الأوكسجين يوما ما بدلا من السيجارة ومع ذلك يستمرون لأن محاربة العادة من أصعب أنواع الحروب.
بين السواد والإنعزال:
قال تعالى في محكم تنزيله "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون" ( 116 : الأنعام) وقد عانيت الأمرين من أقرب الناس لي ومن أصدق أصدقائي حينما يقومون ببث موجات سوداء تؤثر في محاولاتي للسير على خطى الحبيب فما الحل إذن ؟ السوداوية التي تخترق حتى العقل الباطن في إشعاعاتها النفاذة لا تحولك إلا لشخص مطابق للذي يبثها ولا يساعدك إلا في تعزيز عملية الإنسحاب ولكن على الأقل إن كنت تستطيع تمييز الإشارات السلبية من الإيجابية ستستطيع صم آذانك عند سماع السلبي منها أو على الأقل الإبتعاد عن أولئك السلبيين.
ماذا عن الإنعزال ؟
يحارب الكثير من الناس الإنعزال على أنه ضرب من الجنون أو نوع من التصوف، أذكر أني قرأت في كتاب من مذكرات الطنطاوي أنه كان يفضل الإنعزال على مخالطة الناس وأنه كان يمضي معظم وقته بين طيات الكتب يقضي باليوم معدل عشر ساعات بين الصفحات يقرأ من كل العلوم، رحمه الله. فهل كان الطنطاوي رحمه الله مخطئا؟
كان الفضيل بن عياض رحمه الله يقول : أئنس بالليل لمناجاة ربي وأكره النهار للقاء الخلق. حاولت الإنعزال عن الناس في بعض الأيام، لحظات أحاول أن أحظى بها ببعض الخصوصية وأن أبتعد عن التشويش المستمر من مكابد الحياة ومن الرسائل السلبية التي أسمعها من كل شخص، سمى حالة الإنعزال من يعرفني بعدة أسماء كان منها عقاب النفس، وللصدفة المضحكة : كان هذا المسمى ينطبق على أسلوب علاجي في علم النفس، ولم ينسوا أبدا أن يرموني ببعض الألقاب كالمعقد والمريض النفسي واللامنتمي والإنطوائي ولكني لا أنزعج أبدا حينما يصلني أن أحدا قالها عني فالمثل يقول إن أتتك الركلات من خلفك فاعلم أنك في المقدمه.
تطرقت قليلا بتجربتي الشخصية، والآن ما الحل ؟
أترك الإجابة لكم.
لأجل الأجيال القادمة:
هذه دعوة لإيقاف اللعنات، ألم تسمعوا من حولكم يلعنون أجدادهم ويقولون هم من وضعنا في هذه الحالة هم من جعلونا دولا متخلفة وأنا برأي أن من يلعن أجدداه ستلعنه أحفاده يوما ما، فبدلا من نندب الحظ ونلعن الأجداد علينا أن نكون السباقين في التغيير. أتذكر يوما عندما كنت أحدث أحد الأصدقاء قائلا له : أريد أن أتزوج لأصنع من أبني بطلا مجددا ناصرا لأمة الإسلام والمسلمين فصدمني بسؤال ربط لساني وحتى اللحظة ما زال يتردد صداه في صدري دون أن أجد له جوابا منطقيا ... ولماذا لا تكون أنت هذا البطل المجدد؟ !!!
أتمنى من التربويين أن يضعوا مناهجا تطبيقية تخفف من حدة تعاطي الكلمات السلبيه بيننا وأن يساعدوا في نشر ثقافة التقدير بدلا من التدمير وأن يعلموا الناس الإنصاف ورب كلمة صنعت أبطالا، لو لم تهمس تلك الأم العظيمة في أذن طفلها الضعيف أنه سيفتح القسطنطينية لما قرأنا في التاريخ عن محمد الفاتح وجيشه الجرار الذي فتح القسطنطينية بعد الكثير من المحاولات قبله.
أكتفي بهذا القدر والله أعلم والله الموفق.
@02:40:29 AM)السلام عليكم ور حمة الله وبركاته . مقال مميز بحق من الفه ليائه ,, استمتعت حقاً و انا اتنقل بين السطور بالرغم من الاسى على حالنا و حال امتنا و لكن تبقى مشاعل الامل بأن تتغير هذه الافكار السوداويه موجوداً .. مشكور اخي الكاتب على هذا الابداع ..