كنت ذلك اليوم أتحدث أنا وصديق لي عن مقال نشرته سابقا فبدا غاضبا يشوش غضبه انسياب الحوار، ولكنه لم يكن غاضبا مني ولا من محتوى مقالي ... لقد تمكن منه الملل من كثرة التكرار وإعادة الطرح والتنظير بلا تطبيق أحيانا إن لم يكن غالبا ، وهو بغضبه هذا ليس عليه أي وزر.
المنظر والمطبق في الميزان:
كل ميسر لما خلق له وقد اختلف الناس بالمهارات والقدرات ولهذا نلحظ اختلافا كبيرا بين مبرمج ومدرس برمجة وبين مدير شركة ومحاضر يحمل الدكتوراه في الإدارة فلكل منهم ميزاتهم و عيوبهم ولكن الحقيقة القوية تنص على أن كلا منهم يكمل الآخر كما تكمل المرأة الرجل ويكمل الرجل المرأة، وابتعادهم عن بعضهم البعض لا ينتج ثمار جيدة.
يتميز المفكر أو المنظر بقدرته على تحليل الأمور واكتشاف الفرص أو المشاكل في أي قضية ويمكنه بالنهاية استنتاج بعض النقاط والمقترحات لحل معضلة ما ولكن قد تلمس بين طيات كلماته فجوة وخللا من الناحية التطبيقية.
أمثلة من الحياة:
- كثير من اساتذتي في الجامعه كانوا يطرحون موادهم بطرق منسقة ومنمقة ولكن عندما دخلت معترك الحياة وجدت أن علامات الترقيم التي كانت تفصل بين الجمل فيها تحولت إلى حفر وعثرات أواجهها كل يوم في حياتي العملية وتبين لي من ذلك أن هناك فجوة ضخمة ما بين التنظير والتطبيق بالذات عند أولئك الذين لم يطبقوا في حياتهم البتة. ودليلي على ذلك إن أكثر المواد التي استفدت منها في حياتك العملية هي تلك المواد التي درسك إياها دكتور مخضرم نال من الحياة العملية و الأكاديمية نصيبا متساويا قبل أن يصل إليك ويعطيك المادة، والعكس صحيح فإن ذاك الذي لم يتعلم إلا التطبيق من صغره "ميكانيكي مثلا" لن يحسن يوما تلخيص خبرته في مواد علمية يمكن أن تدرس ولا يمكن ان يكون منظما في أسلوب تعليمه وطرحه وإلقائه ولهذا ذكرت أن كلا منهم يكمل الآخر.
- هل يستطيع أب مدخن أن يمنع إبنه من التدخين أو حتى يوبخه عليه؟ ويؤنبه على ذلك وهو يفعل ذلك !! من اللامنطقي وإن حدث ذلك فهذا الأب يناقض نفسه لأنه يسبب لإبنه انفصام فكيف أبي يمنعني وهو يفعل ذلك ولن يقتنع الإبن البتة في هذا.
كذلك المنظر أو الخطيب أو الداعية كيف يمنع النساء مثلا في كلامه عن التشبه بالرجال ويذم في ذلك ويبدع في إيجاد الأدلة على ذلك وإذا زرته في منزله وجدت شعر أولاده طويل وشعر بناته قصير جدا.
- مثال آخير: كيف لشخص أن ينصح أخاه بعد الصلاة بأداء السنن الرواتب ويعلمه إياها ويصف له عددها ووقتها وهو أصلا لا يؤديها فأين يمكن للمنطق أن يجد مكانا له في هذه المعادلة اللامنطقية ؟!!
- لا أستطيع أن ألغي دور المنظرين والمفكرين نهائيا من الحياة ولكن دورهم على الأقل يجب أن يتزين بتطبيق منهم قبل أي شخص آخر، وهم بهذا سيكتشفون النقص الذي يعتري تنظيرهم على الأقل ويبعدون عنهم أيدي الإتهام بالخيانة والنفاق.
لقد كنت أقرأ لكاتب معاصر ولكني صدمت حينما رأيته وقلت ربما أني أهلوس ودارت الأيام وبقيت أقرأ له حتى يأتي آخرون ويقولون لي دعك منه هذا يقول ولا يفعل ... وهذا ما حدث.
المنظر والمطبق في التاريخ:
- يقول أحد الأمثلة إن الأفعال أعلى صوتا من الأقوال، وهذه حكمة في الصميم فرغم أن الفعل لا صوت له ولكنه يعبر أكثر من القول كثيرا، ولهذا نجد بعض كتب الغرب الذي يتحدث عن القيادة بالمثال، أي أن تكون قائدا من خلال أفعالك دون أن تنبس ببنت شفه، في التاريخ انهمك المطبق في الفعل ولم ينهمك في التنظير على الورق ... كان يفكر ويعكس أفكاره إلى أفعال مباشرة ولهذا تميز المطبقون عن المنظرون، ولم نرى يوما أن المطبق يكتب عن نفسه بل الناس من تكتب عنه فهو لم يملك الوقت لهذا الشئ الفارغ وكما ذكرت سابقا لقد حول أفكاره إلى أفعال.
كيف كان منهج السلف في ذلك؟
- كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نسمع عنهم دوما أنهم (يتعلمون ثم يطبقون ثم يعلمون) وكثرت القصص عنهم كما سمعنا أحدها أنهم كانوا يقرأون عشر آيات من القرآن ثم يعملون بها حتى إذا انتهوا من تطبيقها ومكنوا أنفسهم منها انتقلوا إلى عشر آيات أخرى، وسمعنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه أنهى حفظ سورة البقرة في سبع سنوات.
- كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطبق ما يوحى إليه ولهذا قالت عنه عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن وهذه الرواية كافية لتثبت لنا أن هناك أزمة تطبيق فكم من المسلمين الآن ليسوا مسلمين إلا بالهوية وكل من دخل بالإسلام يقول أين المسلمين من خلق دينهم وتعاليمه أين هم من كتابهم القرآن !!
- لقد حث الرسول على تطابق الباطن مع الظاهر وعلى تطابق الفعل مع القول حين قال، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من النار ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون" صحيح الترغيب للألباني
وقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ( الممتحنة 2:3
ومن هذه الأدلة نستنتج أنه حق على المسلم أن لا يتفوه إلا بما يفعل ويطبق حتى ولو كانت نيته خيرا، فيظن البعض أنه حتى ولو لم يكن يفعل الأمر الذي ينصح به فقد يهدي شخصا أو يحيي سنة ميتة عنده ولكن هذا خطأ كبير كمثال الدخان الذي أستدللت فيه ومثال السنن الرواتب.
الخاتمة:
- إن من أدب الدعوة والتنظير والكتابة أن لا يكتب الشخص شيئا لا يطبقه أو يفعل عكسه، خوفا من الله على الصعيد الأول وخوفا على الناس من الخلل الذي سيحصل في نفوسهم وخصوصا ممن اتخذوا هذا الشخص كقدوة فكرية.
- على المنظرين أن يبدأو بتصميم برامج عملية بدلا من النظرية التي ملئت المكتبات وشغلت حيز الأرشفة في عقولنا.
- على أصحاب الهمم والشباب تحديدا أن ينهلوا من نظريات و أفكار المنظرين ليسدوا الفجوات التي بها وليثروها بنقدهم وبهذا يحدث التكامل والتوازن المرجو من وجود منظرين ومطبقين.
أتحدث وأنا من المقصرين وأسأل الله أن يجعلنا كلنا من إذا قالوا فعلوا ومن إذا سمعوا القول اتبعوا أحسنه و الله أعلم والله الموفق.