ماذا يمثل الشباب بالنسبة لعلماء المسلمين ؟
وماذا يمثل هؤلاء العلماء بالنسبة لأولئك الشباب ؟
إذا كان العلماء قد نظروا إلى الشباب على أنهم أولوية أساسية من أولويات اهتمامهم ونشاطهم ودعوتهم ، فلا بد أن الشباب سيقابلون هذا الاهتمام بمثله ، وسيُقبلون على العلماء بالحب والاحترام ، وسيتخذونهم قدوة لهم ، وستمتلئ المساجد بهم ، فهل واقع الحال يشير إلى شيء من هذا ؟
هل الشباب المسلم اليوم نواة صحوة إسلامية واعدة ؟
هل هم الجيل الذي تعقد عليه الآمال العريضة ، وترنو إليهم الأبصار المتفائلة بغد مشرق ؟
هل هم واجهة صادقة لأمة ذات تاريخ مجيد ، ومجد تليد ؟
هل هم متميزون عن شباب سائر أمم الأرض في طرائق تفكيرهم ، ومجالات اهتمامهم ، ومستوى طموحاتهم ؟
لا يخفى أن شباب المسلمين ليسوا في شيء من ذلك كله ، ولكن ما العلة ؟ أهم ظالمون أم مظلومون ؟ أهم مجرمون أم ضحايا ؟
إن خواء الشباب المسلم فكراً وروحاً وابتعادهم عن الإسلام أخلاقاً وسلوكاً لم يكن إلا نتيجة مباشرة لابتعادهم عن العلماء ، وابتعادهم عن العلماء لم يكن إلا ردة فعل لابتعاد العلماء عنهم .
لقد حفر العلماء بينهم وبين الشباب أخدوداً عريضاً ، فنأوا عنهم ، وتغافلوا عن مشكلاتهم ، وترفعوا عن النزول إلى مستواهم والاستماع إليهم والتحاور معهم ، وصغروا عقولهم ، وأغلقوا دونهم أبواب النقاش ، وكلموهم بلغة الإملاء والتلقين ، وحظروا عليهم الرد والانتقاد . فماذا كانت النتيجة ؟
لقد قابل الشباب إعراض العلماء عنهم بإعراض أشد ، فوسعوا الهوة التي ابتدأ العلماء حفرها ، وأمعنوا في الإعراض عن العلماء . ولأن الشباب مجبول على الحماس ، يغلب الطيش عليه ، فقد بالغوا في إعراضهم ، حتى تحول إعراضهم عن العلماء إلى إعراض عن الدين بأسره ، لأنهم لا يحسنون - في الغالب - التمييز بين المبادئ ومن يمثلونها ، فإذا بهم يخسرون الإسلام ويخسرهم ، ويخسر بفقدانهم خيرة عناصره ، ومن يعتمد عليهم في بناء حضارته .
انظر إلى رواد المساجد في أنحاء بلاد الإسلام شرقاً وغرباً ، من اعتادوا على حضور الجماعات الخمس أو معظمها ، وابحث عن الشباب فيهم ، فكم تجد منهم ؟
ثم ابحث عن هؤلاء الشباب الذين خلت المساجد منهم تجدهم يتسكعون على الأرصفة ، أو يتسامرون في المقاهي ، في أقل أحوالهم سوءاً .
ما أعظم فجيعتنا بشبابنا ، ونحن الأمة الفتيَّة ، التي يشكل الشباب النسبة الكبرى فيها !
كم من شباب المسلمين يحسن تلاوة القرآن ، فضلاً عن فهمه ؟
وكم منهم عنده اطلاع على الخطوط العريضة في سيرة النبي r ، فضلاً عن تفاصيل أحداثها ؟
وكم منهم يعرف فرائض الصلاة ومبطلاتها ، فضلاً عن سننها وآدابها ؟
بل كم منهم يؤدون الصلاة أصلاً ، ويلتزمون بفروض الإسلام ، فضلاً عن كمالاته وآدابه ؟
كم من شباب المسلمين يعرف دينه حق المعرفة ، فضلاً عن أن يقوم بالدعوة إليه ويعرف الآخرين به ؟؟؟
فما الذي نفَّر الشباب من المساجد ، حتى صاروا يبحثون عن مأوى بديل لهم في المقاهي والملاهي ؟
وما الذي زهدهم في علوم دينهم ، حتى صاروا أجهل ما يكونون فيه ؟
أليس العلماء – أو معظمهم – سبباً جوهرياً في تلك الحال المأساوية ؟
لقد نظر الشباب إلى مشايخهم فرأوا معظمهم في أحد ثلاثة أحوال :
وجدوا فيهم طالب دنيا ، همه جمع أموالها ، وبلوغ مناصبها ، يأكل أموال الناس بالباطل ، ويتخذ الدين سلماً يصل به إلى مآرب دنيوية دنيئة ، ومصالح شخصية عاجلة ، وما كان مثل هذا ليستحوذ على ثقة عقلاء الناس .
والثاني شيخ ( درويش ) ، مخلص طيب القلب ، لا يطمع في بهرج الدنيا ، ولا يستميله زخرفها ، قابع في زاوية مسجده ، يرضى من دنياه بالقليل الحلال ، غير أنه لا يعرف في هذه الدنيا إلا قليلاً من الأحكام الشرعية يؤدي بها وظيفته .
والثالث شيخ جليل ، عظيم الإلمام بعلوم الدين ، واسع المعرفة في مسائل الفقه والأصول ، متبحر في أمهات الكتب القديمة ، غير أنه يعيش في زمان تلك الكتب ، وقف نفسه على التاريخ فتجاوزه الزمن ، لا يعرف من أحوال هذا العصر إلا النزر اليسير ، تطور العالم من حوله ، وهو يريد أن يعيش في زمان الكتب التي يدرسها ، ويأبى أن يتطور مع تطور المجتمع من حوله ، وقد لا يقوى على رد كثير من الشبهات الحديثة التي ترد عليه من الشباب ، فيغلق باب الحوار هرباً من الاعتراف بالعجز ، ويطالب الشباب بالتسليم لما لا يستطيع تفسيره ، بدعوى أنه مقدس ديني لا يجوز نقاشه بالعقل . فهذا العالم في نظر الشباب جزء من تراث الأمة المجيد ، ولربما لجؤوا إليه من أجل عقد نكاح ، أو فتوى طلاق ، غير أنهم لن يسلموا عقولهم لمن لا يفهمهم ولا يعيش في زمانهم .
لما رأى الشباب هذا حال علماء الإسلام خلطوا بين دين خالد كامل وتمثيل له ناقص قاصر ، فقالوا : إن ديناً لا يخاطب عقولنا ، ولا يجيب على تساؤلاتنا ، ولا يساير زماننا ، لسنا ملزمين باتباعه ، والرجوع معه نحو الوراء ، وإخماد شعلة التفكير...
فهل يتحملون الوزر وحدهم ؟!!
لقد هجروا المساجد بعد أن كانوا حمائمها ، لأن أئمة المساجد وخطباءها لم يستميلوهم إليها ، فاختطفهم المقهى والملهى والشارع والنادي .
وهجروا القراءة النافعة بعد أن كانوا أنهم الناس وأولعهم بها ، لأن المؤلفين صبوا جهدهم في تكرار القديم ونبش الماضي ، فتلقفهم إعلام خبيث ، يمتلك من أدوات الجذب ما لم يقاوموه .
وبين عوامل الطرد من جهة علماء الإسلام ، وعوامل الجذب من جهة أعداء الإسلام ، ضاع إسلام الشباب ، وضاع شباب الإسلام .
وتفاقمت المشكلة ، واتسعت الهوة ، في زمان كثر فيه دعوات الكفر ، وعلت أصوات أبواق الإلحاد ، وكل يحاول استمالة الشباب إلى صفه ، ويخاطبه بالغة التي يفهمها ويقدسها ، لغة المنطق والبرهان ، الذي يستقيم حيناً ، ويعوج أحياناً كثيرة .
تفتقت في أذهان الشباب تساؤلات حساسة عديدة ، تتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها كثير من المشايخ ، يتعلق بعضها بأسس العقيدة الإيمانية ، وبعضها بحقائق التاريخ الإسلامي ، وأذكتها تلك الأفكار المستوردة فتحولت إلى شكوك وشبهات ، حتى صاروا أمام مفترق حاسم ، إيمان أو كفر ، فإلى من يلتجئون ليعينهم على حل معضلتهم وشفاء صدورهم ؟ وهل أمامهم غير علماء الإسلام ، حماة عقيدته ، والذائدون عن مبادئه ؟!!
جاء كثيرون منهم إلى هؤلاء العلماء ، فعمقوا شبهاتهم ولم يزيلوها ، وزادوا مشكلاتهم ولم يحلوها ، وعرضوا الدين الذي قامت عقيدته على موافقة العقل عرضاً يحارب العقل ويحرّم التفكير ، ولم يقف هؤلاء عند العجز عن حل الإشكالات التي اعترضت هؤلاء الشباب ، بل إنهم زادوا الطين بلة عندما حاولوا إخفاء عجزهم عن الحوار ورد الحجة بالحجة ، باتهام الشاب بالكفر والتمرد ، وإصدار تحذير شديد اللهجة أن لا يعود إلى مثل هذا الطرح لئلا يحسب على الكافرين المرتدين ، ففتحوا بهذه اللهجة المتعالية باباً واسعاً للشيطان ، وسقوا بذوراً خبيثة كان يسهل وأدها بلغة الحوار المنطقي الهادئ .
وكم رأيت من شباب زهرات ، حادوا عن الجادة ، لا لخبث في طويتهم ، بل بسبب شيخ أساء معاملة عقولهم ، وحاول قمع تفكيرهم ، وخيرهم بين خيارين زعم أنهما لا يجتمعان : إما الإيمان والشرع وإما التفكير والعقل ، فاختاروا العقل وتركوا الإيمان .
ولقد قلتها مراراً ، ولا زلت أقولها : إن الإلحاد المتستر الخجول في المجتمعات المسلمة خطر يتعاظم ، وقد تحمل العلماء مسؤولية كبيرة في السماح بوجوده ، فعليهم أن يتحملوا المسؤولية في مقاومته واحتوائه .