ألن يتوقف العلماء عن نبش الخلافات القديمة وتجديدها ؟!
ألن يطووا صفحة غابرة من الحجاج السقيم ، والخلاف العقيم ، في أمور لا يضر الاختلاف فيها ؟!
ألن يكفوا عن محاربة الإخوة الأشقاء ، في حين أن بعضهم يوالون الأعداء الألداء ؟!
لقد مزقت خلافات العلماء في الجزئيات جسد الأمة ، وأعداء الأمة ينظرون ويباركون ، بل ويسهمون في إذكاء جذوتها وتسهيل أسبابها .
بقينا زمناً نضيع أوقاتنا في مسائل من قبيل صلاة الحنفي خلف إمام شافعي هل تصح ؟ وعكسها هل يصح ؟ وانقسمت الجماعة الواحدة في المسجد الواحد إلى جماعتين ، وفي المساجد الكبرى إلى أربع جماعات لكل مذهب صلاته ، وكأن أصحاب كل مذهب يقولون لأصحاب المذهب الآخر : ] لكم دينكم ولي دين [ .
ثم خفت حدة تلك النزاعات المذهبية ، ولكن لحساب نوع جديد من الخلاف المقيت المذموم ، بين مذهبية ولا مذهبية ، وبين تيار المجددين وتيار المحافظين ، وبين فقه النصوص وفقه المقاصد ، ثم تشعبت الفرقة الواحدة ، فصارت الخلافات تشتد ، والهوة بين المسلمين تتسع .
والعامة في كل هذا ، إما عاقلون مبهوتون لما يرون ، لا يعرفون تفسيراً له ، فكيف يكون الدين واحداً ، وأتباعه ينقسمون على أنفسهم هكذا ، وإذا كان الإسلام هو الدين الحق ، فأي إسلام هو ذلك الدين ، إسلام هؤلاء أم إسلام أولئك ؟؟؟!! وإما عميان منقادون يعلن الحرب على أخ له إن خالفه أو خالف شيخه في فكرة ما وكأنها الجهاد المقدس . وليسوا في الحالتين إلا ضحية لمن يحرك الخلافات ، ويوقظ الفتنة ، ألا وهم فئة من العلماء دفعهم إما حمقهم وإما خبثهم إلى تمزيق صف الأمة وتفريق كلمتها .
لقد مل كثير من الناس سماع المهاترات الممجوجة المبتذلة ، التي تفتقر إلى كل مقومات الحوار الهادف ، وما زادهم الكلام فيها إلا نفوراً واستهجاناً .
أما آن للعلماء أن يتحلوا بقدر من الوعي والإخلاص ، يخرجهم من دوامة الشقاق الموروث الذي أخذوه عن أسلافهم من ضمن ما أخذوا من تراث خالط فاسدُه الدخيل صالحَه الأصيل ؟؟!
والداهية الدهياء تُرى في الغرب غير المسلم ، في أوروبا وأمريكا ، حيث نقل ( دعاة الإسلام ) خلافاتهم ليعرضوا أقبح ما عندهم على أهل تلك البلاد ، الذين لم يعرفوا الإسلام الحقيقي ، ولم يسمعوا عنه إلا اسمه ، ورأوا في موضعه خلافات وانقسامات ، ونفّرهم من قبول الإسلام أن علماءه يكفر بعضهم بعضاً ، ويلعن بعضهم بعضاً ، حتى إذا شاء أن يدخل في الإسلام ، فإنه يحتار بأي إسلام يأخذ ، وكل يدعي أن الإسلام معه وحده ، وأن من على غير مذهبه كافر مارق !
بل إن نسبة كبيرة من المسلمين الجدد في تلك البلاد صاروا يسهمون في شحذ الخلافات المذهبية ، وصاروا يلقَّنون على أيدي شيوخهم الجدد الخلافات قبل أن يتعلموا أصول الدين ، فيتحولون إلى مصدر قوة للمذهب الذي هم محسوبون عليه لا للإسلام الذي اعتنقوه ، بل إنهم يضعفون بذلك الإسلام من حيث نظن أن دخولهم في الإسلام يقويه !
كل هذا يفتك بالأمة ، والعلماء بين متفرج على ذبحها ، ومشارك يضع يده فيه ، وهم مع ذلك يرون أن ما ورد في النصوص والأشعار من فضائل العلماء ومدائحهم فيهم قيلت لا في سواهم ، فيا للعجب !!!
إن أول ما ينبغي على العلماء فعله هو السعي في سبيل لم الشمل ، والعمل على رأب الصدع ورص الصفوف وتوحيد الكلمة ، لأن أي جهد إصلاحي لا يصدر عن كلمة موحدة سيفشل لا محالة ، وسترتطم إنجازاته بالخلافات والانقسامات التي تحيل النصر هزيمة .
وما من أمة أغفلت إصلاح ذات بينها إلا انقلبت انتصاراتها هزائم ، وعاد نجاحها في مساعيها فشلاً .
قبل محاربة العدو الخارجي ، لا بد من محاربة العدو الداخلي الفتاك ( فساد ذات البين ) ، الذي قد يكمن في أوقات الشدائد ، ولكن ما إن يغيب العدو الخارجي وينهزم حتى يستيقظ من سباته ، ويخرج من مكمنه ، والأمثلة في التاريخ كثيرة من قديم الأزمان ، إلى قضية أفغانستان ، وانقسام أهلها على أنفسهم بعد انتصارهم العظيم على الإمبراطورية الروسية .
قبل السعي في كسب الأصدقاء ، لا بد من كسب الإخوة الأشقاء ، الذين تجمعنا بهم أواصر الدين ، وتربطنا لحمة العقيدة ، فما يجمعنا أكثر مما يفرقنا .
من أشكال الوحدة التي نحتاجها ( الوحدة الجيو ثقافية ) وأعني بها التواصل المعرفي الثقافي بين علماء المسلمين في بقاع العالم الإسلامي المختلفة ، وفي سائر أقطار الأرض .
قبل مجازر البوسنة والهرسك ، قلة من المسلمين كانوا يعلمون بوجود شعب بحاله يدين بالإسلام في قلب أوروبا ، وفيهم العلماء والأتقياء .
وفي كوسوفو التي لم نكن نسمع عنها قبل محنتها ، علماء في الفقه والأصول والنحو خلفوا نفائس المخطوطات مخبوءة عن عيون الشيوعيين في شعاب الجبال .
وألبانيا المسلمة ، كثيراً ما كان من يسمعني ألفظ اسمها يصحح لي نطقي فيقول : " تقصد ألمانيا ؟ " فهو لم يعلم بوجودها ، فضلاً عن أن يعرف أنها دولة يشكل المسلمون غاليية سكانها .
وفي الصين أكبر أقلية مسلمة ، غير أننا لا نعرف عنهم أدنى معرفة .
والمسلمون في الهند ، لا تعرف الأمة المسلمة عنهم إلا النزر اليسير من الحقائق التي معظمها مغلوط ، وعندما كنت أسأل بعض الإخوة : أتعلم كم يبلغ عدد المسمين في الهند كنت أسمع إجابات شتى أكثرها تفاؤلاً أنهم عشرون أو ثلاثون مليوناً .
ولو كلمت أياً من عامة المسلمين عن الإسلام في أمريكا ، فسوف يفاجأ عندما تخبره أن أعداد المسلمين هناك تتراوح بين ستة ملايين في أقل تقدير ، وثلاثين مليوناً في بعض التقديرات غير الرسمية .
فإذا كان هذا ما انتهى إليه علم المسلمين عن شعوب إسلامية عظيمة ، وجاليات مسلمة مؤثرة ، فلا ريب في أن اطلاعهم على أحوال إخوانهم هؤلاء ووقوفهم على همومهم ومشكلاتهم أمر لا وجود له أصلاً .
فإن قيل : إن هذه مشكلة عامة ، والجهل فيها ضارب أطنابه على المجتمع المسلم بأسره ، فما ذنب العلماء في هذه المشكلة ؟ وما دورهم في حلها ؟
قلت : إن العلماء هم مصابيح الأمة وهداتها ، فإذا لم يقوموا هم بواجب التثقيف والتوعية ، فمن يقوم به ؟ أننتظر وسائل إعلامٍ أقسمت أن تجتث الخير والفضيلة ، وتحارب الحق والهدى ؟ أم مؤسسات تعليمٍ قلبت الموازين وشوهت الحقائق ، وعاهدت الشيطان أن تجعل الباطل حقاً والحق باطلاًُ ؟
ومن زعم أن مهمة العالِم المسلم تقتصر على الكلام في أحكام العبادات وقصص التاريخ فقد أخطأ الصواب .
لا بد من أن يتحول منبر الجمعة ، وكرسي الدرس ، ومحراب الموعظة ، إلى جامعات تعوض ما فوتته الجامعات ، ووسائل إعلام تصلح ما أفسدته وسائل الإعلام .
على العلماء - بناءً على ذلك - أن يثقفوا أنفسهم ويبنوا أفكارهم البناء المتكامل ، ليحسنوا تثقيف الأمة وبناء فكرها .
في سالف الزمن ، كانت وسائل الانتقال محدودة ، ووسائل الاتصال شبه مفقودة ، فالطريق من الحجاز إلى الشام يستغرق شهراً ، فما بالك بما بين مراكش وخراسان ، والسفر على الإبل والخيول ، فيه من المشقة ما فيه ، ومع انقطاع السباب هذا ، كان تواصل العلماء في أوجه ، وكان الحوار بين أئمة الأمصار ، وكانت المباحثات العلمية ، وكان التلاقح الفكري كما لو كانوا في قرية صغيرة .
يؤلف عالم في المشرق كتاباً ، فيصنف مغربي في تحشيته أو نقده ، أو تقريظه أو نقضه .
ويقول عالم في الأندلس رأياً ، فيسارع علماء الشام إلى تمحيصه وبحثه ، ثم إقراره أو دحضه .
لقد صنع المسلمون في ذلك العهد الذهبي ما يصلح أن يسمى عولمة فكرية ليس لها مثيل في تاريخ الأمم رغم قلة الوسائل ، فارتحلوا وتنقلوا ، وتراسلوا وتواصلوا ، حتى حققوا مصطلح ( القرية الصغيرة ) من مئات السنين .
فأين علماء الأمة من مثل هذا التواصل اليوم ؟ وقد تيسرت لهم أسباب التواصل ، وتطورت وسائل الاتصال ، حتى إن العالم كله يأتي إلى داخل بيتك بضغطة زر ، فتتخير منه ما تشاء .
هوة واسعة صارت تفصل بين مدرسة فكرية وأخرى داخل القطر الواحد ، فما بالك برقعة اتسعت ، وأقطار تناءت .
صار الناس يعلمون عن قصص الفنانين ، وأخبار الرياضيين ، أكثر مما يعلمون من أسماء علماء أمتهم ، وما ذاك إلا لتقصير مشايخهم في تعريفهم بهم ، وهم أنفسهم في الغالب لا يعرفون الكثير عنهم .
ثمة هيئات علنية معدودة ، لها نشاط في جمع أخبار العلماء ، وإحصاء المؤلفات التي تنشر لهم في أقطار إسلامية أخرى ، ولكن دائرة عملها محدودة ، وأثرها في المجتمع لا وجود له .
لما توفي النجاشي نعاه النبي r إلى أصحابه في اليوم نفسه ، فكان في ذلك تشريعُ سنةٍ إعلاميةٍ يجدر بالعلماء أن يتفهموها ، وأن ينقلوا للناس أخبار أمتهم ، وأحوال علمائها كما نقل النبي r إلى أصحابه خبر أخيهم النجاشي رغم بعد المسافة .
ومن أشكال الوحدة التي نحتاجها الانفتاح الفكري والتلاقح المذهبي .
لقد فعل التعصب للمذهب والمدرسة وتقديس فكر ( الجماعة ) و ( الطائفة ) بهذه الأمة أشد مما فعل بها أفتك أعدائها ، وذاق المسلمون من ويلات التعصب ما أذهلهم عما يحيك لهم العدو المتربص .
والأمثلة العملية للتعصب لا تخفى على ذي بصر ، ولا حاجة لتكرار المعلوم .
لقد آن الوقت لوقف هذه الشجارات الصبيانية التي تتحول في بعض الحالات من شجارات كلامية إلى حروب دامية ، وجدير بعلماء المسلمين أن يغيروا هذا الحال الذي لا يرضي الله ولا رسوله ، ولا يرضي إلا إبليس وجنده .
أمام علماء الأمة تحد كبير ، يحتاج منهم شجاعة كبيرة : أن يرفعوا الحصانة عن اجتهادات السابقين ، وأن ينتقوا منها ما وافق نصوص الشرع ، وانسجم مع روحه ، وحقق مقاصده ، ومن أعظم مقاصده توحيد الكلمة .
ولا بد لهم من أن يعلموا أنه إذا تعارضت وحدة الأمة مع قداسة المذهب وحصانة أئمته ، فإن مصلحة الأمة تقدم ، فلنخالف آنئذ آراء أئمة المذهب ومشايخ الطريقة في سبيل توحيد الكلمة وتجنب الشقاق .
فلقد مر ردح من الدهر طويل والأمم تتندر بنا ، وتضرب بتفرقنا الأمثال ، وما كان تفرق العامة إلا نتيجة لتفرق العلماء ، ولا تكون وحدتهم إلا بوحدتهم واتفاقهم .
ومن أهم أشكال الوحدة التي نحتاجها إيقاف النزيف الذي تفقد به الأمة يوماً بعد يوم خيرة شبابها المثقفين ، الذين لم تتيسر لهم التربية الإيمانية العقلانية ، فنشؤوا مسلمين بالتقليد ، حتى إذا شبوا عن الطوق ، وخرجوا عن دائرة التبعية للبيئة التي ربوا فيها ، تلمسوا حقائق الإسلام العقلانية المقنعة ، التي لا يأباها العقل ، فوجدوا موضعها طروحاً نفرتهم ، وأفكاراً لا برهان عليها ، وارتطموا بعلماء لا يفقهون لغة المنطق التي يفكر بها هؤلاء الشباب ، كانوا سبباً في إعراض الشاب عن الدين لا لفساد عنصره ، بل لسوء عرضه عليه .
وبسبب انعدام حكمة هؤلاء ( العلماء ) لو جاز لنا أن نصفهم بهذا الوصف الشريف ، تخسر الأمة شباباًُ من خيرة أبنائها ، هي إليهم أحوج منها إلى ملايين من المتلقنين المقلدين.
على العلماء - تجاه هذا التحدي - أن يتعلموا أولاً منطق البحث العلمي المجرد ، الذي يقبل مناقشة كل رأي مهما بلغ تطرفه على أساس من المنطق البحت ، ليتوصلوا منه إلى منطق الحوار العلمي الهادئ ، الذي يحترم كل رأي ولا يلزم أحداً بتبني فكرة ما لم يأت عليها ببرهان دامغ .
ثم عليهم أن ينزلوا من صوامعهم وأبراجهم ، ويفتحوا صدورهم وقلوبهم لكل سؤال ، وأن يتقبلوا كل نقاش ، ليدخل إلى رحاب الإسلام من كان قد خرج .
عليهم أن يصلحوا ما أفسدوا ، ويعيدوا بناء ما هدموا .
@11:55:57 AM)طبت حيا و ميتا أيها الشيخ الجليل.. نسأل الله أن يرحمك ويتجاوز عنك ويعلي درجتك في عليين.. سبحان الله.. بالرغم من عمره القصير إلا أن الله أكرمه بغزارة العلم و سعة الإطلاع و الثقافة.. و أشكر موقعنا الرائع المميز الذي عرفنا بهذا الشيخ الجليل و أفادنا بهذه الدروس القيمة و الدرر الثمينة..