الدنيـا إختبـار
الكاتب: المهند السَّبيعي(أنقر لقراءة المزيد من مقالات الكاتب)
تاريخ الإضافة: 27/01/2009 - (ميلادي)  ~  01/02/1430 - (هجري) أرسل الى صديقنسخة ملائمة للطباعة

مررنا بكثير من الإختبارات في حياتنا ... كان معظمها أثناء الدراسة وكان مفهوم كثير منا للإختبار أنه شيء تدرس له في الليلة التي تسبقه لكي ينجح الشخص أو حتى قد يسهر الكثيرون في هذه الليلة يتفننون بكتابة البراشيم " أوراق صغيرة يكتب عليها بخط صغير جدا " ليغشوا بنجاح في اليوم التالي ... وبغض النظر عن هذا النقص ... فإن الدنيا أمر شبيه بتلك الإختبارات التي كنا نختبرها ... ولكن الفرق بينها وبين إختباراتنا  الدنيوية .. أنها ليست بإمتحان بتاريخ محدد فندرس له أو نبرشم له بليلة تسبق هذا الإمتحان ...

 إنما هي إمتحان مستمر نعايشه منذ بلوغنا سن الرشد ... نتائجه النهائية سنحصل عليها بعد فراق هذه الحياة كيفية التقييم به عادلة وتعطينا حقنا "فطريقة الحصول على درجات إضافية متعددة لدرجة أنك تستطيع أن تحصل على أضعاف أضعاف الدرجات التي تخسرها" ومع ذلك يرسب الكثيرون به.

فكيف نحن نضيع والإجابات يبن أيدينا ؟ نعرف الإجابات ولا نستطيع كتابتها ... لأن العلم يجب أن يقترن بالعمل كحال مسلم لم يستطع أن ينطق بالشهادتين لحظة خروج روحه رغم معرفته بها في حياته !

 

تخيّـَرْ خليطـا من فَعـالك إنمـا          قرين الفتى في القبر ما كان يفعلُ

ولا بد بعد المـوت من أن تُعِـدَّه          ليوم ينـادي المـرء فيـه فيُقبِل

فإن تـك مشغولا بشيء فلا تكن          بغيـر الذي يرضى به الله تَشْغَلُ

فلن يصحب الإنسانَ من بعد موته          ومن قبلـه إلا الذي كان يعمـل‏            

                           قيس بن عاصم

 

أحس بأن عقل الإنسان الذي تتمركز المنطقية به، أحس بأنه لا منطقي ... كيف ؟

إذا قمت بتجربة على أرض الواقع بإحضار إثنين من أي بلد بغض النظر عن إثنيتهم وبغض النظر عن دينهم  ... ومن ثم أنشأت أمامهم طريقين نهاية كل منهما واضحة.

الطريق الأول: كان صعبا مليئا بالأشواك والأحجار والحواجز والحفر والعقارب ولكنه ليس بطريق طويل وقد يستطيع أي شخص سلوكه إن صبر قليلا ... وكانت نهايته جنات ومزارع وعقارات ... فمن اجتازه طوبت هذه الممتلكات بإسمه.

الطريق الثاني: كان مليئا بالزهور والمغريات والأموال والنساء ولكن في نهاية هذه الطريق حفرة عظيمة جدا تشتعل بها النار، كان حتما على كل من دخل بهذا الطريق أن يقع فيها لا محال.

فأي الطريقين سيختاروا ؟ بالتأكيد الأول ... وهاهنا أنوه إلى لا منطقية عقولنا، فقد علمنا أن بالدنيا طريقين أحدهما الصراط المستقيم "الطريق الأول" والآخر طريق الهوى "الطريق الثاني" ... إن هذا السباق نعايشه منذ أن بلغنا سن الرشد ولكن أي الطرق نسلك ... ونحن نملك المنطق عن كل مخلوقات الأرض ...

قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ) لقمان : 55

 فالدنيا مع كل نعيمها و انغرار أهلها به تصبح كالساعة .. وما يدل طمعنا في نعيم الدنيا الزائل عن نعيم الآخرة الدائم إلا على نقص إما في عقولنا أو في إيماننا ... فهل من معترض على هذا ؟

يخبرنا الله عز وجل في قرآنه أنه عند وقت استلام النتائج ... نتائج امتحاننا في الدنيا يتخلى كل من يعرفك عنك كل منهم يهذي ويقول نفسي نفسي ، عجبا الهذه الدرجة أهوال يوم القيامة تجعلك تنكر أبويك وأولادك وزوجتك.

نحن نزرع في الدنيا لنضمن حصاد محصولنا في الآخرة.. حصادا موعودين فيه من الله فماذا زرعتم حتى الآن؟ تذكروا أن النبات نوعان نبات ضار لا يفيد الإنسان شيئا ونبات نستفيد منه كثيرا ... فاحرصوا على الزرع الحسن.

ذكر عن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام أنه خرج ذات يوم إلى أصحابه وعليه مدرعة من صوف وكساء من صوف وثياب من صوف مجزوز الرأس  والشاربين باكيا متغير اللون من الجوع يابس الشفتين من الظمأ طويل شعر الصدر والذراعين، فقال السلام عليكم أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن اللَّه ولا عجب ولا فخر.  يا بني إسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم، وأهينوا الدنيا تكرم لكم الآخرة، ولا تهينوا الآخرة فتكرم عليكم الدنيا، فإن الدنيا ليست بأهل كرامة هي تدعو كل يوم إلى الفتنة والخسارة، ثم قال: إن كنتم جلسائي وأصحابي فوطنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء للدنيا فإن لم تفعلوا فلستم بأصحابي ولا بإخواني. يا بني إسرائيل اتخذوا المساجد بيوتا والقبور دورا كونوا كأمثال الأضياف. ألا ترون إلى طيور السماء لا يزرعون ولا يحصدون والله في السماء يرزقهم، يا بني إسرائيل كلوا من خبز الشعير ومن بقول الأرض واعلموا أنكم لم تؤدوا شكر ذلك فكيف ما فوق ذلك.

الإختبارات المفاجئة:

نمر بدنيانا هذه باختبارات مفاجئة كالتي كانت تصادفنا في أيام الجامعة ... لم يحسب لها المرء أي حسبان ولكن كان بعضا من الطلاب على استعداد دائم وتحضير لدروسهم أول بأول ... وكذلك المؤمنين الصابرين فهم على استعداد دائم لأي اختبار ... قال تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) البقرة : 155 ... وهذا ما أقصد به من الإمتحانات المفاجئة وحالها كحال الإختبار العام ونتيجة هذه الإمتحانات تصب في إناء الإختبار العام.

وأكثر امتحان مفاجئ قد يمر علينا موت الفجائة الذي يكثر في نهاية الزمان حيث يغتر العبد بشبابه ويؤجل عباداته ويقول غدا أتوب غدا أصلي غدا أترك الدخان وهو لا يضمن بأية لحظة يأمر ربه إسرافيل ليقبض روحه قال تعالى :( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) لقمان : 34

فكم منكم فقد من أصحابه في زهرة شبابهم ... أكان عملهم حسنا هل كانوا مستعدون للقاء ربهم ؟ نسأل الله أن يرحمهم ويرحم جميع موتى المسلمون. 

لمن لا يريد خوض هذا الإختبار:

بعض الناس يتأفف عن جهل من الدنيا ومن سنة الحياة ومن السنن والشرائع التي سنها الله فبالنهاية لم يؤت بني آدم إلا القليل من العلم ... إلى أولئك الذين لا يريدون خوض هذا الإمتحان أقول لهم قولين أحدهم يتداول بين الناس ولا أعرف مصدره : إن لم يعجبك قضائي فاخرج من تحت سمائي.

والقول الآخر قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) الإسراء : 18 ، فإن كنت رجلا أطلب ذلك من الله ... أطلب أن يعجل لك الخير في الدنيا الزائلة عن النعيم الدائم في الآخرة.

ضمانة للنجاح بهذا الإختبار:

الضمانات لدخول الجنة كثيرة وقد كثرت الأحاديث التي يرد بها وعد رسول الله صلى الله وسلم بقوله : "ضمنت له الجنه" ضمن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم لنا الجنة ولكأنه عدنا من أهلها بعمل بعض الأعمال أتذكر أحدها وأنا حتى الآن لم أستطع عليه ولكن لعل أحد القراء ذو عزيمة أعلى و توفيق أكبر يستطيع تنفيذه ألا وهو:  قال صلى الله عليه وسلم: "من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق " رواه الترمذي وصححه الألباني

فاعلم أخي أنه إن وفقت على أداء هذا بتوفيق وفضل من الله فقد عصمت من النار ومن النفاق ... فماذا تريد أكثر من هذا ضمانه ..

أكتفي بهذا القدر والله أعلم.

 

لا يوجد تعليقات.
الاسم: (*)
البريد الإلكتروني: (*) (لن يتم عرضه للزوار)
نص التعليق: (*)
 
الرجاء أدخال
الكلمات التالية:
(*)


 
ألرجاء أدخال المعلومات الاتية - (*)